جزرة وبيضة.. أم قهوة؟         مقاييس ومعايير مرضى التوحد         أمرتنا بخير فأطعناك..!         إذا ثبتت المودة.. فلابأس بالغياب..!         اضطرابات النوم         معادلتا .. الأمن والإيمان         المراهقة         أخطر وظيفة!         الصدمة النفسية وأثرها على الفرد والمجتمع        

محركات السلوك

  7/9/1426 هـ

الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد

إن مشاهدات الناس تنصب في الغالب على السلوكيات الظاهرة للإنسان فمن ثم يحكمون على الشخص بحسنه أو قبحه ، وصلاحه أو فساده من خلال ذلك، وهذا حق وطبعي ..لكن هل هذه السلوكيات أتت من فراغ وبدون عوامل تبعثها ؟ أم أن هناك عوامل أو" قوى" تحرك السلوك وتدفعه ؟ والحقيقة أن السلوك لم يأت من فراغ .. بل بفعل قوى تحركه وتدفعه فما هذه القوى وما أهميتها وما أثرها ؟

فأما القوى فهي جمع قوة وهي في الإنسان تكتل لمجموعة من الجوانب الفكرية والعاطفية والجسمية تتمايز حتى تنفرد كل واحدة بمسمى معين كالقوة الفكرية أو العاطفية أو الحركية .

أما أهميتها ..فهي حقيقة أعظم وأخطر من الطاقات المادية كالكهربائية والنووية والذرية ..إلخ لأنها بصورة مبسطة لم يصل الإنسان لتلك الطاقات إلا بعد المحافظة والتطوير لقوى الإنسان الثلاث أو إحداهن ، فكلما ركز على هذه القوى وطورها .. وضبطها كلما استفاد الإنسان منها وأنتج بخلاف ماإذا أهملها فإنها تعود عليه بالضرر والسوء .

إن مشاهدات الناس تنصب في الغالب على السلوكيات الظاهرة للإنسان فمن ثم يحكمون على الشخص بحسنه أو قبحه ، وصلاحه أو فساده من خلال ذلك، وهذا حق وطبعي ..لكن هل هذه السلوكيات أتت من فراغ وبدون عوامل تبعثها ؟


أما أثرها فلا يتضح إلا بعد تعريف موجز بها عند أهل التخصص وكلام علماء الإسلام ، فأهل التخصص "الدراسات النفسية " كانوا لايقررون إلا القوة الحركية السلوكية مع إهمال تام للقوتين الأخريين حتى اصطدموا بالواقع وبالعملية المعقدة في سلوك الإنسان إذ لايمكن الحكم على السلوك بمنأى عن الجوانب الأخرى المؤثرة ، وفعلاً اعترفوا بحضور العمليات المعرفية والنشاط العقلي ..
وتطور الأمر حتى أحسوا بنقص واضح أثناء تفاعلهم مع الإنسان فهم يتعاملون معه تعاملاً جامداً ..فمن ثم سلموا أخيراً بالحضور العاطفي وبروز الوجدانيات ..وهذا هو التوجه الذي بدأ يظهر ويأخذ مكانه في الساحة النفسية والتربوية أخيراً ، أما عند علماء الإسلام فإن ذلك محلول بمعادلة بسيطة ؛ تقول : بأن الإنسان لايمكن أن يتحرك إلا بعلم وبصيرة ، ولايصبر ويتحمل إلا بعاطفة ووجدان ، ولاتظهر المعادن وقيمة الشخصيات إلا من خلال العمل والحركة ، فالعلم وافكر يتمحور في العقل ، والعاطفة والوجدان والمشاعر مقرها القلب ، والحركة والسلوك تنطلق من الجوارح العامة ، وهذا الأمر هو تعريف الإيمان عند أهل السنة والجماعة ، وذلك أن الإيمان اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح الظاهرة ، وشروط الإيمان التي يرتكز عليها ثلاثة المحبة ، والخوف والرجاء ، ويزيد ذلك إيضاحاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لاإله إلاالله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان " متفق عليه فالقول والنطق بالشهادة صفة أو جانب من جوانب العلم والفكر ، وإماطة الأذى أسلوب من أساليب الحركة والسلوك ، والحياء نشاط وعمل قلبي ..


فالإيمان يجمع القوى كلها جمعاً متناغماً متناسقاً ، ولايمكن أن يعلم كنه هذه القوى و مايصلحها إلا خالقها ولذا هدى الله الذين أمنوا لما اختلف فيه أهل الدنيا والكتاب عن طريق النقل والوحي المعصوم ، فالقوة العلمية متى ماربطت بالعلم بالله ودينه وما ينفعها في دنياها وأخراها أصبحت تلك القوة خيراً ورحمة للإنسان وذلك لأن عقله سيتحرر من المعبودات والخرافات وينطلق نحو عالم أرحب وملكوت أعلى بخلاف من يربط عقله وعلمه بالمخلوقين والموجودات فقط التي تتأثر بالأهواء وتصاب بالنقص والتزوير وأحياناً بالخطأ وخداع الحواس .

وأما القوة القلبية والتي تظهر في الوجدان والمشاعر والعاطفة فلقد أولاها الإسلام عناية خاصة الإيمان وهي مقر العبودية ومجمع الأنس والراحة والروح والبهجة واللذة ويقود ذلك ركائز الوجدان الكبرى الحب والخوف والرجاء ..فمتى ماحققها الإنسان وربطها بالله تعالى كلما توحدت وجهته واطمأنت نفسه ..فلم يحب إلا الله ولم يخف إلا الله ولم يرج إلا الله ..أما إذا ضيع هذه الركائز وعلقها بمتعلقات دنيوية ..فإنها تصبح نهباً للمشكلات النفسية والإضطرابات العاطفية .

فالإيمان يجمع القوى كلها جمعاً متناغماً متناسقاً ، ولايمكن أن يعلم كنه هذه القوى و مايصلحها إلا خالقها ولذا هدى الله الذين أمنوا لما اختلف فيه أهل الدنيا والكتاب عن طريق النقل والوحي المعصوم

وكم رأيت ممن يصيح من ضيق عنده أو تجرعه لحسرات وغصص في حياته فلما راجع نفسه وجد أن حبه وخوفه ورجاءه ربما إنساق معظمه إن لم يكن كله مع زوجة أو صديق أو مال أو مركز أو شهرة ..والرجاء يتعاظم مع البشر والخوف يشتد لأجلهم ومنهم ولنتصور قلباً يخاف من كل شيء فهل تتوقع أن يسعد في حياته ؟!

إن هذا العرض المختصر إنما هو تقعيد لأمر عظيم وهو بيان ماهية محركات السلوك ..إذ السلوك الخارجي إنما هو نتاج لتفاعل القوى الثلاث بعضها مع البعض ..وقد يظن ظان أن هذا التفصيل تجزئة وتشطير للإنسان إلا أن هذا الظن خاطيء فالإنسان لحمة متكاملة تتفاعل أجزاؤه بعضها مع البعض وإنما كان غرض التفصيل توصيل المعلومة وتقريبها للأفهام ..

وبعد هذا التقعيد يمكننا تنزيل تلك المفاهيم في عالم الواقع والممارسات اليومية وذلك يظهر في ثلاثة جوانب :
1- أثناء تربية الأبناء وتوجيههم من الصغر فمن المهم جداً التركيز على تنمية وتطوير هذه القوى وذلك بالعناية في تطوير واحترام عقلية الطفل وربطها بالحقائق والعلم وأبعاده كثيراً عن الخيالات والخرافات خاصة في القصص والأفلام التي تعرض في وسائل الإعلام وغيرها .. أما في العواطف ففي الواقع يندر أن تربط أشواق الطفل ووجدانه بأمور عالية وأهداف ساميه سواء في الحب أو الخوف أو الرجاء .. فتغيب عنه مصطلحات ومفردات الله جل جلاله والأخره والقيامة والجنة والنار..
وتغيب عنه المعاني الجميله للقيم والأخلاق من الصدق والأمانه والوفاء ..بينما لم يرسخ في قلبه كره المعاني السيئة من الكذب والخيانة والبخل ..وجدير أن نعلم أثناء تعاملنا مع الطفل أنه يفهم .. لكنه لايفصح عما في نفسه .. كذلك آثار التربية لاتظهر إلا على التراخي .. ولذا فحري أن لاتتساهل في ممارسة الأخطاء أمامه فإنه يستدخلها من حيث لاتشعر !!

ن هذا العرض المختصر إنما هو تقعيد لأمر عظيم وهو بيان ماهية محركات السلوك ..إذ السلوك الخارجي إنما هو نتاج لتفاعل القوى الثلاث بعضها مع البعض


2- أثناء الوقوع في الأخطاء وممارسة بعض المنكرات فغالباً ينصب فكر المنكِر على إزالة الخطأ أو المنكر الظاهر ..وهذا شيء جميل لكن بناءً على القاعدة السابقة فإن السلوك الخاطيء لم يبرز إلابعد حصول خلل وخطأ في القوتين الأوليين وهما الفكرية والعاطفية ..فلو نظرنا لخطأ ما وسبب بروزه لربما وجدنا بعد امعان النظر أن الخلل يرجع إلى خطأ في التصور أو تأويل في دليل أو قناعات خاطئة ..فيكون تصحيح منكر هذا الشخص عن طريق تصحيح هذه المفاهيم ومناقشة تلك الأخطاء الفكرية لديه ، أو ربما برز ذلكم الخطأ لتعلق قلب المخطيء بحب محرم أو رجاء كبير في مخلوق أو خوف عظيم من إنسان فيصبح حل إشكاليته عن طريق تحرير قلبه من عبودية الناس والدنيا وربطها بالله تعالى .


وكأنموذج جميل لتطبيق هذا الأمر ماورد في السنة أثناء معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لخطأ وقع فيه أبو ذر رضي الله عنه .
فقد روى البخاري وساق بسنده عن واصل بن المعرور قال : لقيت أباذر في الربذة وعليه حلة وعلى غلامه حله فسألته عن ذلك ؟ فقال : إني ساببت رجلاً فعيرته بأمه فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم :" يا أبا ذر أعيرته بأمه ؟! إنك امريء فيك جاهلية .. إخوانكم خوَلكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم مايغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم " فهنا نلاحظ كيف عالج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الخطأ وعزاه إلى الجهل ..ومن ثم راح يبني المفهوم الصحيح ..إخوانكم خوَلكم ..فلما عالج النبي صلى الله عليه وسلم أصل الخطأ.. وعالجه من جذوره وكانت الإستجابة أن غدا أبو ذر رضي الله عنه وغلامه كل منهما بحلة سواء بسواء ،وهذا من كمال أبي ذر رضي الله عنه.

إذاً ينبغي أن لاينحصر نشاطنا فقط على مجرد إزالة المنكر الظاهر بل ينبغي أن نذهب إلى أبعد من ذلك وهو إقتلاع المنكر والخطأمن جذور العقل والقلب لأن الذي برز في الظاهر إنما قام على جذور تعمقت في أرضية النفس .. وكم رأى الواحد منا إنساناً ترك خطأً أو فارق منكراً وبعد برهة من الزمن يتفاجأ بأنه رجع يمارسه مرةً أخرى .. والسبب واضح أن التصحيح ينصب دائماً على تصحيح السلوكيات الظاهرة مع عدم إهتمام بأصول السلوك من العمليات والقلبيات .

3- حينما يشكو الإنسان من أمراض نفسية أو اضطرابات عاطفية تؤثر في الأخير على السلوك والأنشطة الحياتيه فيتجه المريض وربما المعالِج " وبصورة متكررة " إلى محاولة إزالة السلوكيات الخاطئة وتطمين النفس إما بمهدئات أو منومات أو مسكنات !! تدور في الغالب على معالجة العرض الخارجي من الصداع أو الأرق أو التنمل في الجسم أو زوغان البصر أو شدة خفقان القلب ..إلخ . وانطلاقاً من قاعدتنا السابقة فإن مانراه من مجهودات يبذلها المريض أو المعالِج إنما تتجه لمعالجة العرض لا المرض ..

إذ الهدف في الغالب إزالة تلك الأعراض لكن ما تلبث تلك الأعراض حتى تعاود نشاطها ويصبح المريض المسكين مرهوقاً ومربوطاً بمراجعة المعالجين والأطباء النفسيين لشهور بل لسنوات لكن لو فقه المريض والمعالِج هذا الأمر وتعمقا أكثر وتحلا بالصبر لتوصلا إلى بؤر المشكلات النفسية وأصولها فلربما أن السبب في التركيبات الذهنية والفهم والتحليل والتفسير لدى المريض وربما كان السبب أن أعماله القلبية وانفعالاته الوجدانيه تنساق وراء كل هوى أوشهوة ..ضعيفة التحمل والإرتباط بالله تعالى وهكذا كل فرد حسب ظروفه وقدراته وصفاته .

إن التربية السليمة في الصغر .. والتغيير لبعض المظاهر الخاطئة والإزالة لبعض الاضطرابات النفسية ترتفع نسبتهن كلما خوطب العقل بقواعد العقل والفكر عن طريق النقاش وا لإقناع .. وترتفع نسبتهن أيضا إذا فُعلت المشاعر والانفعالات وحركت نحو بناء النفس السوية ، ويزداد الأثر والتغيير متانة وقوة وامتداداً إذا ربطت العقليات بالنقليات من الوحي المعصوم وإذا ربطت المشاعر والانفعالات بالقيم والروحانيات ، ويظهر هذا الأمر في مثال واقعي تربوي نبوي حينما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم عقل ابن عباس رضي الله عنهما وقلبه مبتدئاً بالعلم والفكر مفعلا للعواطف رابطا لهما بالله تعالى ، يقول عبدالله ابن عباس رضي الله عنهما كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " ياغلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تجده تجاهك ، إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشئ لم ينفعوك إلا بشئ قد كتبه الله لك ، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشئ لم يضروك إلا بشئ قد كتبه الله عليك ، رفعت الأقلام وجفت الصحف ) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح . وخلاصة الكلام أن السلوك ماهو إلا نتاج بسيط لعمليات هي أكبر وأخطر وأعمق تدور حول العلميات العقليات ، والقلبيات الوجدانيات فتلك هي محركات السلوك وركائزه إلى السعادة أو الشقاء ، فاللهم ارزقنا علما نافعا وعملا صالحا ورزقا واسعا يا أكرم الأكرمين.




«««« اضف تعليقك على هذا المقال »»»»

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


تعليقات سابقة :
  حلا الزاهدي -  الأردن          
  الله وكيلكم هادا السلوك كله حكي بحكي الناس لو بتعرف شو يلي بقلب الانسان عمرها ما فكرت تجرحه بس للأسف يا ريتني ما طلعت على وجه الارض ولا شفت هالعالم الكزابين يالله نفسي أموت وأرتاح ما عاد فيي أستحمل هم أكتر من هيك قرفانة حياتي والعالم كله شو أعمل يا ربي
  حلا الزاهدي -  الأردن          
  زهقانة يا حلا



  اشعر أنني غير مستقرة في حياتي

  زوجي حساس جداً

  زوجي لا يشاركني أفكاره وخططه المستقبلية

  معاناة نفسية

  رسالة الماجستير

  تزوجنـي بغيــر علــم أهلـه !

  خطيبي لا يعترف بخطئه ويخاصمني لأتفه الأسباب

  حياتي معقدة افتقدت للسعادة وأفكر بالانتحار

  التعامل مع الطفل

  أهلي يعاملونى مثل الاطفال !

  تم الاعتداء علي عندما كنت صغيرة وأخاف أن أكون قد فقدت عذريتي

  الاهتمام بالنظافة

  إهمال الزوجة الثانية وأبناءها

  عانيت من اكتئاب ما بعد الولادة

  أشك في عدم وجود غشاء البكارة

الالتحاق بدورات وبرامج التوعية والإرشاد الأسري يحد من المشكلات الأسرية ؟
موافق تماما
موافق إلى حد كبير
لا أوافق
لا أوافق تماما

جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول
Copyright © 2004 All rights reserved for holol.net
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها فقط .