جزرة وبيضة.. أم قهوة؟         مقاييس ومعايير مرضى التوحد         أمرتنا بخير فأطعناك..!         إذا ثبتت المودة.. فلابأس بالغياب..!         اضطرابات النوم         معادلتا .. الأمن والإيمان         المراهقة         أخطر وظيفة!         الصدمة النفسية وأثرها على الفرد والمجتمع        

التفاعليون

  3-10-1435 هـ

الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد

سمة تبرز في صنف من الناس يتميزون بالمشاركة والتعاون والتفاعل.. وربما كان هذا التفاعل سلبياً أو إيجابياً، وما نعنيه بقاعدتنا هذه هو التفاعل الإيجابي النافع، والتفاعليون صيغة مبالغة تطلق على من غلب عليه التفاعل مع الآخرين، ومثل هذا الإطلاق ما يطلق على «التفاؤليين» و «التشاؤميين» أو من غلبت عليه إحدى هاتين السمتين.
إن صفة التفاعلية الإيجابية أكد عليها الإسلام كثيراً وربى أتباعه عليها، بل جعل كثيراً من أحكامها وتطبيقاتها ترتبط بشكل أو بآخر بالتفاعلية والمشاركة مع الآخرين لعدة أمور منها:
1- إنه الأسلوب الأمثل لنشر الخير والحق وبث الإيمان والسنة بين الناس، وهذا يتمثل في صور التعليم والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصح والتوجيه والتربية..إلخ وذلك يحفظ للمجتمع وعيه بدلاً من الجهل والخرافة اللذين يزيلان جمال الحياة وسلامة القلوب.

2- أيضاً هو الأسلوب المباشر لإحياء روح التكافل والتراحم بين فئات المجتمع، وهذا يبرز في صور الصدقة والزكاة والهدية والقروض الحسنة وأنواع الكفالات وذلك يحفظ للمجتمع توازنه وتماسكه بدلاً من الطغيان أو بروز ألوان الترف في بعض فئات المجتمع مع سحق فئات أخرى.
3- إن التفاعل يبني مفهوماً في فكر الإنسان عن نفسه.. فكلما تفاعل أكثر أحس بمدى حضوره وأثره.
4- إن التفاعل الإيجابي يشغل الإنسان عن كثير من الأفكار والوساوس السيئة، ويحفظ للفرد فطرته السليمة وصحته النفسية، إن نقل الذات من الدوران حول نفسها إلى دائرة أوسع يمنح الإنسان قوة في قلبه وانشراحاً في صدره، ويقيه من الضيق والهم والأثره المقيتة.
ولننظر مثلاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من ثُديّهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفي بنانه وتعفو أثره، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئاً إلا لزقت كل حلقة مكانها، فهو يوسعها ولا تتسع» متفق عليه. ويعلق ابن قيم الجوزيه رحمه الله على هذا الحديث قائلاً: «فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق، واتساع قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل وانحصار قلبه» (مدارج السالكين ج 2 ص26).

وكم رأيتُ أعداداً كثيرة تشكو من اضطرابات نفسية واهتزازات عاطفية فلما تبينت الأمر وإذا بهم خلو من التعاون، فقراء في التفاعل الإيجابي ودائماً يدورون حول ذواتهم، فليس عندهم مشاركة أو نشاط جماعي أو على الأقل تحديث النفس بذلك!!
ولذا فالمختصون في دراسة السلوك يؤكدون على أهمية التفاعلية الإيجابية، وتحريض الفرد على سلوك أي عمل بناء مفيد يناسبه ويطلقه من الفردية والأنانية إلى التفاعلية الاجتماعية.
إن هذا الجانب بلوره علماء الإسلام تحت مسمى «الأعمال المتعدية»، والتي يتعدى نفعها للناس ويظهر فيها جمال الإيمان وأثر الإسلام مع أهمية الأعمال اللازمة والتي يقتصر نفعها على الفرد نفسه، إذ هي الوقود لاستمرارية الأعمال المتعدية.

والتفاعلية الإيجابية كما يشرعها الإسلام في نصوصه العلمية فإن النبي صلى الله عليه وسلم قررها مؤكداً عليها في عدد من الأساليب العملية الجميلة فمنها:
أ – أسلوب عدم قصر مفهوم الصدقة على المال فقط.. وتوسيع مفهومها إلى عدد من التطبيقات السلوكية، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كل سُلامى من الناس عليه صدقه، كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقه» متفق عليه.
ب- كذلك وسع النبي صلى الله عليه وسلم دائرة التفاعل إذ لم يقتصر على الأعمال الكبيرة كالجهاد والصدقة مثلاً بل تعددت صوره حتى تصل إلى حد حفظ الذات عن إيذاء الآخرين إن ذلك يعتبر خيراً وتفاعلاً وصدقة رفيعة!! فليس في الإسلام جمود أو سلبية البتة كما في حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان بالله والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً. قلت: فإن لم أفعل؟ قال تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قلت: يارسول الله أرأيت إن ضعفُت عن بعض العمل؟ قال تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك» متفق عليه.

وهذا توجيه مباشر لما يمكن أن يطلق عليه «التفاعلية الدنيا»، وهذا يستطيعه كل إنسان إذ لا يمكن أن يعتذر إنسان بعدم قدرته عليه فهو ليس مالا أو حراسة ثغور أو بذل شفاعة وإنما هو كف الأذى عن انتشاره منك إلى غيرك.
وإن هذا الأمر لو فقهناه وطبقناه لحفظنا أنفسنا عن كثير من الأخطاء التشويهية التي تفسد المودة والتقارب والتواصل.
جـ- هو أسلوب تفاؤلي تفاعلي جميل ما أقل جهده واعظم أجره! ويتجه إلى أنك..وإن وقعت في خطأ أو تقصير أو فشلت فليس ذلك يخولك إلى التقاعس عن التفاعل والمشاركة.. بل إن التفاعلية والإيجابية ألزم لك كلما أحسست بضيق أو هم أو وقعت بذنب أو خطأ ولننظر في هذا الحديث العظيم فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «بينما كلب يطيفُ بركيّة قد كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فاستقت له به، فسقته اياه فغفر لها به» متفق عليه.

فهنا نرى كيف صور النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه المرأة كانت ملمة بجرم عظيم!! ومع عظم خطئها فإن ذلك لم يحجزها عن التفاعل الإيجابي.. ومع من؟ مع كلب.. ثم كان الجزاء العظيم.. غفران ذنوبها.
د- وجه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته إلى عدم حقران أي لون من ألوان التفاعل حتى ولو كان عملاً صغيراً جداً، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة» متفق عليه.
وإن منهج النبي صلى الله عليه وسلم في تقعيد الأعمال التفاعلية يعطيها اتساعاً واستيعاباً لجميع القدرات والشخصيات، ويستغرق جميع صور الأنشطة الإنسانية، ولا يلزم خلو المتفاعل من النقائص والعيوب.

ولتنزيل تلك المفاهيم في عالم الواقع اجرائياً فإنها تبدأ من جعلها فكرة في العقل وهماً في القلب.. وذلك بتحديث النفس بالإحسان للناس كما في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر «أن رجلاً مر بغُصن شجرة على ظهر الطريق فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم فأُدخل الجنة» فالرجل بدأ يحدث نفسه بأن ذلك يضر بالمسلمين ولذا سعى في إبعاده.. وهذا الأذى مجرد غصن شجرة!! فماذا كان الجزاء؟ إنه الجنة!!
ولذا كلما عاش الإنسان بهذه الروح التفاعلية وسعى إليها فإنه سيجني الراحة القلبية، وقلة الفراغ القاتل..وينال محبة الناس ويصل إلى رضا الله تعالى، فاللهم اجعلنا منهم يا حي يا قيوم.



«««« اضف تعليقك على هذا المقال »»»»

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


تعليقات سابقة :


لا توجد تعليقات سابقة




  اشعر أنني غير مستقرة في حياتي

  زوجي حساس جداً

  زوجي لا يشاركني أفكاره وخططه المستقبلية

  معاناة نفسية

  رسالة الماجستير

  تزوجنـي بغيــر علــم أهلـه !

  خطيبي لا يعترف بخطئه ويخاصمني لأتفه الأسباب

  حياتي معقدة افتقدت للسعادة وأفكر بالانتحار

  التعامل مع الطفل

  أهلي يعاملونى مثل الاطفال !

  تم الاعتداء علي عندما كنت صغيرة وأخاف أن أكون قد فقدت عذريتي

  الاهتمام بالنظافة

  إهمال الزوجة الثانية وأبناءها

  عانيت من اكتئاب ما بعد الولادة

  أشك في عدم وجود غشاء البكارة

الالتحاق بدورات وبرامج التوعية والإرشاد الأسري يحد من المشكلات الأسرية ؟
موافق تماما
موافق إلى حد كبير
لا أوافق
لا أوافق تماما

جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول
Copyright © 2004 All rights reserved for holol.net
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها فقط .