إذا ثبتت المودة.. فلابأس بالغياب..!         اضطرابات النوم         معادلتا .. الأمن والإيمان         المراهقة         أخطر وظيفة!         الصدمة النفسية وأثرها على الفرد والمجتمع         نصف القوت راحة..!         العنف وآثاره على الطفل والمجتمع         هاتفني يبكي أخطاءه .. !        

وليغلبن مغالب الغلاب

  1432/2/27 هـ

الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد

" جيـل جديد وكرامة شعب "

يذهل المتابع لأحداث العالم -ولاسيما العربي والإسلامي- حينما يرى هذا التدفق في دماء الشباب نحو الحرية والعدل، وهذا ليس بغريب على الإنسان الحر الذي خلقه الله عزيزاً كريماً شريفاً، فمهما يُقهر الإنسان ويُذل ويُسجن ويُكبت، فإنه لا تزول صفات تشريفه وتكريمه، بل تبقى داخل النفس تتربع على كرسي الفطرة ومجد الكرامة تنتظر ساعة يقدرها الله تعالى، ولو قرأنا في محكم التنزيل كيف تم ذلك لأمة من الناس -كما في سورة القصص- حيث ذكر الله عن بني إسرائيل الاضطهاد الذي أصابهم من فرعون، وكيف قتل الرجال وسبى النساء وأكمل بالأطفال، حتى بلغ الذل والقهر غايته فيهم، ومن ثم أجرى الله قدره على يد رجل صالح ونبي كريم ورسول عظيم (موسى عليه السلام) الذي رباه الله في كنف الطاغية، وسلب من فرعون إرادة قتله، مع أنه قتل كل من شابهه، ويكبر هذا النبي الكريم، ويواجه الظلم والذل، وتتالى الجولات والجولات، حتى يحين مشهد العيد (يوم الزينة)، وتبين الحجج وتظهر البراهين، فيلقى في يد الطاغية وأتباعه ويؤمن الناس بالحق، ويصدقون المرسل، وهنا يعلن القتل والعسف والمحاربة والمطاردة، فيصبر أهل الحق ويتجمعون ويتقوا الله ويدعونه، وتحين ساعة الانتصار، ويغرق الطاغية ويعز الله من يصدق معه ومع نفسه ومع الناس!

يذهل المتابع لأحداث العالم -ولاسيما العربي والإسلامي- حينما يرى هذا التدفق في دماء الشباب نحو الحرية والعدل

إن الحرية لا تموت من النفوس، والعزة جبلة في القلوب، فمتى نظر الإنسان في تاريخ الأمم والدول والشعوب والأفراد رأى شواهد ذلك كثيرة، ومن الشواهد الواقعية ما حصل في تونس القيروان، ومصر الأزهر، والقادم أعجب وأعجب، فلقد انفرط العقد وانكسر الخوف، وقى الله الناس شرّ عقابيلها!
إنها نفوس شباب تنشد الحرية وتأبى العيش في الأجواء الفاسدة، فكأن أرض تونس ومصر استحالتا إلى جيوش من البشر من كل حدب ينسلون، أو كأنهما مرتع ليأجوج ومأجوج تلتهم كل من يعيقها عن غايتيها "الحرية والكرامة"، جيوش أرخصت روحها في سبيل الحق، شباب أحرار لا ينتمون لحزب أو توجه معين، إنما هم من الشعب وللشعب، تحركوا بعدما رأوا من الظلم، وحركهم ما يحسونه من الكبت، وفعّلهم ما عناهم من الذل، إذن لا مجال لاتهامهم، وهذا من أسباب نجاحهم ودعم الناس لهم، وهؤلاء الشباب يمثلون جيلاً صاعداً يسمع ويحس ويرى!

بالأمس القريب كانت المجتمعات والشباب معزولين عن العالم، ممنوعين عن التواصل، لا يتكلمون ولا يكتبون ولا يؤذن لهم فيعبرون، لكن مع الإعلام التفاعلي والاتصالات الحديثة حل ما كان حراماً، وتهيأ ما كان ممنوعاً، من خلال الشبكة العنكبوتية والرسائل والجوالات والمواقع والتواصل الاجتماعي ورسائل الوسائط، وهنا انتقل الناس من أزمة الوعي إلى وعي الأزمة، والمشاركة في تغيير الأزمة، أما منع الناس فقد صار تاريخاً، وهذا من أبرز نتائج هذه الوسائل الجديدة عند الشباب، والقادم أكبر وأكثر، وحري بقادة الشباب والجيل الحر ألا يجروا إلى فوضى أو يحولوا مسار الحرية إلى دمار حياتهم أو سواد مطلبهم وديارهم، وألا يخربوا بيوتهم بأيديهم وأيدي الغادرين، وحري بهم الانتباه لذلك ببث الوعي السليم والمحافظة على الممتلكات ووضع اللجان المنظمة لخير البلاد.

أما الحكام فليسألوا أنفسهم ما الذي جعل هؤلاء يكرهونهم؟ ولماذا هذا التشبث بالكرسي فكأنهم يعمرون؟ هل رضعوا الظلم من حليب أمهاتهم؟ وهل حكموا بالذل على شعوبهم؟ أليس حري بهم أن يفرحوا بهذا المستوى من الوعي لدى مواطنيهم كيف تعاملوا معهم واحترموا البلد مع أنهم لو تركوا الأمر لأهوائهم "والله" لسحقوا الحاكم تحت أقدامهم.
إن نبض الحرية والكرامة يجري في عروق الناس مهما طغى الحكام، وإليكم قصتان وقعتا في مصر، الأولى قصة عمر بن الخطاب لما كان أميراً للمسلمين، فأمّر على مصر عمرو بن العاص رضي الله عنه، ومما تضمنته الأخبار ما رواه أنس رضي الله عنه حيث قال: بينما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قاعداً، إذ جاءه رجل من أهل مصر فقال: يا أمير المؤمنين هذا مقام العائذ بك! فقال عمر رضي الله تعالى عنه: لقد عذت بمجير فما شأنك؟ فقال: لقد سابقت بفرسي ابنا لعمرو بن العاص وهو يومئذ أميراً على مصر فجعل يقنعني بسوطه ويقول: أنا ابن الأكرمين! فبلغ ذلك أباه عمرو بن العاص، فخشي أن آتيك فحبسني في السجن، فانفلت منه وها أنا الحين أتيتك، فكتب إلى عمرو بن العاص إذا أتاك كتابي هذا فاشهد موسم الحج أنت وولدك فلان، وقال للمصري أقم حتى يأتيك، فأقام حتى قدم عمرو وشهد موسم الحج فلما قضى عمر الحج وهو قاعد مع الناس وعمر بن العاص وابنه إلى جانبه، قام المصري فرمى إليه عمر بالدرة، قال أنس رضي الله عنه: فلقد ضربه ونحن نشتهي أن يضربه، فلم ينزع حتى أحببنا أن ينزع من كثرة ما ضربه، وعمر يقول اضرب ابن الأكرمين! قال: يا أمير المؤمنين قد استوفيت واستشفيت! قال ضعها على ضلع عمرو! فقال: يا أمير المؤمنين لقد ضربت الذي ضربني! قال: أما والله لو فعلت ما منعك أحد حتى تكون أنت الذي تنزع، إنما ضربك بسلطان أبيه! ثم أقبل على عمرو بن العاص، وقال: يا عمرو، متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ فجعل عمرو يعتذر رضي الله عنهم أجمعين.

والقصة الأخرى لما ظلم أحمد بن طولون وفشا ظلمه (وذلك قبل أن يصبح عادلاً)، استغاث الناس من ظلمه، وتوجهوا إلى السيدة نفيسة يشكونه إليها، فقالت لهم: متى يركب؟ فقالوا في غد! فكتبت رقعة ووقفت بها في طريقه وقالت: يا أحمد بن طولون! فلما رآها عرفها فترجل عن فرسه وأخذ منها الرقعة فقرأها فإذا فيها: (ملكتم فأسرتم وقدرتم فقهرتم وخولتم فعسفتم وردت إليكم الأرزاق فقطعتم هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة لا سيما من قلوب أوجعتموها وأكباد جوعتموها وأجساد عريتموها فمحال أن يموت المظلوم ويبقى الظالم اعملوا ما شئتم فإنا صابرون وجوروا فإنا بالله مستجيرون واظلموا فإنا إلى الله متظلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، قالوا: فمن يومه أصبح عادلاً .. وقد أثرت فيه تلك الرقعة الواعظة!

إن عمر رضي الله عنه، لم يخاطب عمرو بن العاص وحده بتلك العبارة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً"، بل إنها لكل الحكام وحاكم مصر خاصة، وإن العجب ليزداد حينما يرى أن الشرارة لطلب الحرية بدأت في تونس وانتشرت في مصر، وهذا الحراك الكبير الخطير ليدل على أن العزة والكرامة حية في القلوب تنتفض حينما يقدر الله لها وقتها، ويدل على أن الظالم مهما طال بقاؤه فإن له ساعة قادمة تزلزل كيانه، ويدل على القسوة وذهاب الشعور بالمسؤولية أمام الله والناس فأين الضمير؟ وأين محاسبة النفس؟ ألا يتصور حاكم هاذين البلدين كم من إنسان سيقف أمامه يخاصمه ويسائله يوم القيامة؟ ويا ليت الحكام والمسؤولين استمعوا لكلمة رئيس وزراء تركيا المبدع رجب طيب أردوغان، الذي يصدق فعله كلامه، حينما يمحض رئيس مصر النصيحة قائلاً: كلنا فانون، فلماذا تتشبثون؟

ولو أن إنساناً ظلم إنساناً آخر عشرة أيام، لصارت عليه عشر مظالم، في كل يوم مظلمة، فكيف بشخص ظلم ملايين الناس لسنوات وسنوات؟ كم على عاتقه من الأوزار سيحاسبه الله عليها؟ ولننظر إلى حاكم تونس السابق، فقد كان عدد السنوات التي قضاها رئيسا (ثلاثة وعشرين سنة)، أي أن أيامها ثمانية آلاف وثلاث مئة وخمسة وتسعون يوماً وأما عدد السكان الذي حكمهم فهم عشرة ملايين وثلاث مائة وسبعة وعشرون ألف وثمان مئة، ولو ضربنا عدد الأيام التي حكمها زين العابدين في عدد سكان شعبه كان الناتج ستة وثمانين مليار وسبع مئة وواحد مليون وثمان مئة وواحد وثمانين ألف مظلمة عن كل يوم وعن كل فرد، فيا للهول من هذا الحساب العسير!
ومثله نقول عن الرئيس المصري الذي يزداد العبء عليه لقدم حكمه وكثرة شعبه، فعدد السنوات التي قضاها رئيسا (تسع وعشرون سنة وثلاثة أشهر وستة عشر يوم)، وعدد الأيام التي حكمها عشرة آلاف وست مئة وواحد وتسعين يوماً، وعدد السكان الذي حكمهم بالمتوسط ثمانون مليوناً من الناس، فيكون الناتج إذن ثمان مئة وخمسة وخمسين مليار ومئتان وثمانين مليون مظلمة!!

لذلك فلا يغتر مسؤول بما خوله الله أو أعطاه، فإنما هو (مسؤول عنه)، وإن الله يمهل ولا يهمل، وإذا أخذ الظالم لم يفلته فأين حاكم تونس الآن؟ وأيم سيكون حاكم مصر وخبره؟ وغيرهم وغيرهم..
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ...... وليغلبنّ مغالب الغلاب!



«««« اضف تعليقك على هذا المقال »»»»

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


تعليقات سابقة :
  رواسي -  السعودية          
  كلام في الصميم لابد للظالم من يوم القصاص عاجلاً أو آجلاً
  ربنا لا تجعلنا فتنة للظالمين




  توهم المرض

  محتارة بين قلبي وبين أهلي .. فمن اختار؟

  زوجـي لا يصلي ويشك بي

  الــوســواس

  هل يجوز لي الإشتراك في مواقع الزواج على النت

  يراودني الشك من بعض تصرفات زوجي وأريد مصارحته بذلك

  متزوجة منذ أكثر من عام واكتشفت أن زوجي يخونني

  أريد التخلص من حالة العجز واليأس

  زوجي لا يهتم إلا بنفسه

  آلام الماضي جعلتني افقد الثقة بنفسي تدريجياً

  أعاني من الخوف الشديد من الموت

  ابنتي في صراع داخلي بيني وبين أهل زوجي

  أخي الاصغر انطوائي

  زوجتي ذهبت إلى بيت اهلها ولا تود الرجوع

  أخــاف من الليــل والمطــر

قدمت وسائل التواصل الاجتماعي دوراً فعالاً في المجتمع ؟
موافق تماما
موافق إلى حد كبير
لا أوافق
لا أوافق تماما

جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول
Copyright © 2004 All rights reserved for holol.net
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها فقط .