جزرة وبيضة.. أم قهوة؟         مقاييس ومعايير مرضى التوحد         أمرتنا بخير فأطعناك..!         إذا ثبتت المودة.. فلابأس بالغياب..!         اضطرابات النوم         معادلتا .. الأمن والإيمان         المراهقة         أخطر وظيفة!         الصدمة النفسية وأثرها على الفرد والمجتمع        

شيئاًًمن الموضوعية يا عقلاء البلد !

  5/1/1429 هـ

الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد

حينما تمر بالمجتمع الأزمات، أو تقع فيه المشكلات، تبرز معادن الرجال وأخلاقهم في فلتات ألسنتهم ومداد أقلامهم، فتتحرك عند البعض منهم الذاتية الفردية، بل قد يلوك في أعراض الناس أفراداً وجماعات، بنقدٍ وتنقيب، فهذا وصولي، وذاك أصولي، والآخر أمشاج..الخ من تصنيفات لا يقرّ بها العقلاء..
ويتعالى ذلك إذا ما اهتزت حلبة المجتمع بحدث غير نمطي، أتى بخلاف المعتاد وخالف طريقة العباد، فيرتفع حينئذ صرير الأقلام، وتصدر الأحكام، ويشتد الخصام ويقسو الكلام، وربما طاشت العقول وتعسف المنقول وحرّف بالنقول، فقط لكي يثبت ذلك المرء صحة نظره ويصحح خطأه، مع مصادرة لآراء الآخرين ونسف لصوابهم! وحينها، يتساءل المسلم العاقل..ألسنا مسلمين؟! وأين التروي والإنصاف والقيام بالحق والعدل؟!

إن الإسلام لينهج منهج الحماية والاحترام والستر في معالجته للقضايا الإنسانية، ويقابل هذا الاحترام بالنهي عن إشاعة قالة السوء ونشر الفاحشة بفعل أو بقول، مع توعدهم بأمر بالغ العقوبة: "لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة".

ولنتفق أولاً على مفهوم الموضوعية، وهي برأيي: "التجرد من الأحكام المسبقة والحظوظ الفردية الخاصة، والحكم على الأشخاص بموجب الأدلة المادية الملموسة والثابتة حقاً"، وهي أمر نسبي لن نطال كمالها، ولكن نستطيع تحقيق أكبر قدر منها!
وإن كان الاحتياج للموضوعية هو ديدن كل دهر وزمان، وكل علم وموقف وحكم، فإنَّنا الآن في أحوج الأوقات إليه في علومنا ومواقفنا وأحكامنا، حتى لا نقع في غلط ذي شر مستطير وأثر سلبي، والله الحق المبين يقول مشدداً على الغلط في الحكم: "ستكتب شهادتهم ويسألون"، ويقول: "لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء"، ويقول: "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً"، ويقول سبحانه: "ولا تقف ما ليس لك به علم، إن السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسؤولاً"..ومثل ذلك في تشديد النبي صلى الله عليه وسلم على الشهادة حين أشار إلى الشمس وقال: "على مثلها فاشهد" أي على مثل نورها ووضوحها وبيانها للناس جميعاً، وهذه الشهادة لا تقف عند حضور للمحكمة في قضية ما، بل تتجاوز إلى كل كتابة وقول في تلفزة وصحافة وغيرها من وسائل الإعلام!

ولربما سأل سائل: لماذا كل هذا التحرز والتأكيد في مسألة إصدار الأحكام على الناس؟! فلا يرجح الجواب حينها إلا بالنظر إلى عظم عرض المسلم وشدة حرمته في الشرع المطهر، وإلى سهولة انتهاك هذا العرض العظيم واستباحة حماه عند كثير من الناس بتشويه السيرة والسمعة، بدون أدنى تورع أو تعفف، حتى إن بعضهم قد يفزع من سفك الدم أو المال، لكنه لا يفزع من سفك العرض أو سرقته..رغم أنهم سواء في النص النبوي: "كل المؤمن على المؤمن حرام، دمه وماله وعرضه".
إن الإسلام لينهج منهج الحماية والاحترام والستر في معالجته للقضايا الإنسانية، ويقابل هذا الاحترام بالنهي عن إشاعة قالة السوء ونشر الفاحشة بفعل أو بقول، مع توعدهم بأمر بالغ العقوبة: "لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة".

ولا يتعارض هذا الاحترام والصيانة مع إنكار المنكر ونبذه، فالعلماء قد فرقوا بين الخطأ الظاهر والمنكر المستور، فالأول ينكر عليه علناً بأسلوب شرعي عقلي منطقي، مع اشتراط المصلحة العامة وعدم تطور الأمر لشر أكبر، والآخر "أي المستور" فتعلم طرائقه من النصح في السر وكتم الأمر والستر على المسلم، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل الموضوعية معروفة لدينا؟ وهل هي ممكنة في ظل ممارسة الأخطاء لدى الأفراد والمجموعات؟ وما سبب تضاؤلها في حياتنا الثقافية والاجتماعية؟ وهل من الممكن تحقيقها لننعم بحياة أكرم وتقارب أكبر؟! أني لأرى أنّ لتضاؤل الموضوعية في حياتنا أسباباً عدة، أبرزها:
1. الجهل! ذلك الجهل الذي يؤدي إلى الفهم الخاطئ، وضعف المنهجية العلمية، وقد تنبأ بذلك الشاعر:

وكم من عائب قولاً صحيحاً *** وآفته من الفهم السقيم
2. يضاف للجهل التعصب، سواء لإنسان أو لأرض أو لمذهب بدون حق،وتشتد آفة التعصب إذا شيبت بآفة الهوى الخطيرة، التي تردي صاحبها ولا تهديه، وانظر إلى ما قاله الله تعالى لداود عليه السلام حين قلده ملك قومه: "يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله"، ومن نحن عند مقام داود عليه السلام؟! ويروقني إيراد قصة عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، إذ قال: "كنا في جنازة، فسألت عبيد الله العنبري (أستاذه القاضي الفقيه العالم) عن مسألة فغلط فيها، فقلت: أصلحك الله، القول فيها كذا وكذا. فأطرق قليلاً ثم رفع رأسه فقال: إذن أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنَبـَاً في الحق، أحب لي من أن أكون رأساً في الباطل".

3. أيضاً، من أسباب تضاؤل الموضوعية والعدل ما يسمى بالانفرادية وعدم إشاعة روح الشورية والمرجعية القائمة على النقاش والبحث، ويتعاظم أثرها إذا كان المتفرد عجولاً غير صبور، فيظهر زللـه وتتنوع علله.
4. وكذلك من أسباب تضاؤلها، تدخل البعض فيما لا يتقنه أو يعلمه، وهذا الأمر انتشاره كبير وحدث عنه ولا حرج، خاصة ممن يتكلمون في أمور الشرع أو السياسة أو الاقتصاد وهم أبعد الناس عنها علماً أو يكون عنده طرف علم في سياق الثقافة العامة، فيظن أنّ له بذلك مقاليد العلوم ومفاتحها، وهنا أذكر لبعض السلف كلمة طريفة: من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب! مع أن أهل العلم في أي فن "وهم أهله!"يتحرزون من الاستعجال في إصدار الأحكام في علمهم، ويدرسون الأمور من قبلها دراسة وافية، وأقف هنا مبجلاً لمن يعلم حق العلم وهيبته، إنها قامة الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة الذي سئل مرة عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها: لا أدري. وهذه القصة ذكرها ابن عبد البر في كتابه: (الانتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء).

5. أيضاً من أسباب تضاؤلها، عدم النظر للعواقب، وضعف تصور الواقع حقاً، فينزع المرء لأقوال وأحكام مضارة للفرد والمجتمع، والموفق هو من حسب الأمور بدقة، ونظر للمفاسد والمصالح، وحافظ على مكتسبات القلوب، ومقدرات البلاد.
أخيراً، فإننا نلحظ أن بعضهم يقفز على عمود أو زاوية أو برنامج، فيشمت من شخص -أو فئة- ربما وقع في خطأ، فيسئ إليه بما يزيد الهوة اتساعاً والرقعة انشقاقاً، ولا نعلم حينئذ أين ذهب أدب الاختلاف وفقه الائتلاف، ومن يطلب الكمال وهو بذاته لم يكمل؟ فلذلك كان الرفق بمخالفينا أدعى إلى جذبهم لموالفينا، وما أجمل كلمة ابن المقفع: "لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وبينك وبين صديقك الرضا، وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة وتغلبه بالحكم، والصديق ليس بينك وبينه قاض، فإنما حكمه رضاه".. والأكثر جمالاً أن نعدو بين مضماري الصديق والعدو، فإما إلى عدوة الرضا، وإن لم .. فلا نتجاوز عدوة العدل!



«««« اضف تعليقك على هذا المقال »»»»

الاسم  :           
البريد الالكتروني:
الدولة  :            


تعليقات سابقة :
  نورة سعد سعيد  -  السعودية          
  مقال رائع .. الله يجزاك كل خير
  هتون -  السعودية          
  زادك الله علما..
  لاكن هناك أحكام حكم عليها الشارع بأنها تنقض الإيمان لامجال لمداهنة بها كقوله (إلا أن تروا كفرا بواحا)
  وأظن أن كثيييييييير استهانوا بها..
  مساعد الهطلاني -  السعودية _ عنيزة          
  ( هناك أمور نسبية لن يستطيع المرء الوصول فيها إلى الكمال ولكن يستطيع تحقيق أكبر قدر منها ) .
  كلام جميل ، وإن مما يعين على ذلك أن من صلحت نيته وسما هدفه وُفِّق للخير بإذن الله .
  والمرء عليه أن يحسن الظن دائما وألا يتعجل . وما أحسن قول الله تعالى (( لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا )) فهذه الآية لابد أن يستحضرها كل من أراد أن يصدر حكما أو حتى أراد أن يناقش قضية ما .
  وكما ذكرت في كلامك - حفظك الله - أن من أبرز أسباب تضاؤل الموضوعية الجهل وضعف المنهجية العلمية وتدخل البعض فيما لا يتقنه أو يعلمه وكما قال بعض السلف: (من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب) .
  موضوع هام وأسلوب جميل
  ( وتروووووقني كتاباتك ) وفقك الله يا شيخ عبدالعزيز ونفع بك .
  
  ريما الهويش -  السعودية          
  فتح الله عليك وزادك من فضله
  مما ينبغي التنبيه إليه أن تعاظم الخظأ من الآخرين ولومهم على سبيل تزكية الفرد نفسه واستهجانه لتجاوز الآخر ووقوعه في الخطأ وكأن لسان حاله يقول كيف تجرأ على فعل هذا المنكر ، ونسي هذا اللائم أنه بشر قد تلم به الخطوب وتنزل عليه النوازل فيقع في الخطأ ذاته في لحظة ضعف أو حاجة .
  ورسولنا الكريم وهو المعصوم من الخطأ كان يكثر من قول يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ويامصرف القلوب صرف قلبي على طاعتك
  فإن كان رسول الله يسأل الله الثبات وهو المؤيد من من القوي العزيز
  فكيف بنا الضعفاء
  اللهم ثبتنا على طاعتك واجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر والفتنة
  خالد -  المملكه العربيه السعوديه          
  مشاركه
  ابودانه -  السعوديه الرياض          
  ..كلام جميل ياشيخ عبدالعزيز بس المشكله تكمن في التطبيق ...وانا اجزم ياشيخ وان انت ذكرت هذاالكلام فانه يعتريك بعض النقص في تطبيقه كما ينقصني وينقص كثير من العقلاء..فماهو برايك الحل الامثل للتطبيق السليم غير التقليدي
  وجزاك الله خيرا
  mohamed karaoui -  maroc          
  شكرا على الاضاءة
  
  موضوع في المستوى))))) الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد (((((
  
  
  مشعل الشمري -  حائل          
  لافض فوك ولا فقدك أهلوك
   ما أجمل تطبيق ما ذكره الشيخ



  اشعر أنني غير مستقرة في حياتي

  زوجي حساس جداً

  زوجي لا يشاركني أفكاره وخططه المستقبلية

  رسالة الماجستير

  معاناة نفسية

  تزوجنـي بغيــر علــم أهلـه !

  خطيبي لا يعترف بخطئه ويخاصمني لأتفه الأسباب

  حياتي معقدة افتقدت للسعادة وأفكر بالانتحار

  التعامل مع الطفل

  أهلي يعاملونى مثل الاطفال !

  تم الاعتداء علي عندما كنت صغيرة وأخاف أن أكون قد فقدت عذريتي

  الاهتمام بالنظافة

  إهمال الزوجة الثانية وأبناءها

  عانيت من اكتئاب ما بعد الولادة

  أشك في عدم وجود غشاء البكارة

هل أصبح الكتاب الالكتروني بديلاً عن الكتاب الورقي ( المطبوع) ؟
نعم
لا
لا أدري

جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول
Copyright © 2004 All rights reserved for holol.net
الآراء المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها فقط .