حت تملك عقلين

الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد                         20-3-1440

كنت أحد الأيام في لقاءٍ فلقيت صديقاً عزيزاً لم أره منذ زمن، رحبت به وحادثته، لاحظت عليه تعباً وإجهاداً، وأثناء الحوار تبين لي ما عرفته عنه سابقاً، هو رجل عصامي؛ وهذا واضح، لكنه لا يحب مشاركة أحد، كذلك لا يشاور من حوله ولو اعترضته المشكلات وتعددت العقبات، فهو يطحن نفسه بنفسه، فلمته على الإصرار الدائم على ذلك، ولماذا لم يتخذ أحداً مستشاراً حكيماً يأنس برأيه، ويشاركه أفكاره ويتقاسم معه الهموم، فلم يحر جواباً، انتهى اللقاء وانصرفت متعجباً، كيف يحرم المرء نفسه من جمال عقول من حوله وخبراتهم.
لقد قال الحكماء: "نصف رأيك مع أخيك فشاوره يكمل لك عقلك"، فكيف إذا شفع ذلك بعواطف القلب والنصح والحب؟! تذكرت حينها لما بدأ الوحي بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وأصابه الخوف، ماذا فعل؟ انطلق لزوجه خديجة –رضي الله عنها- ترجف?بوادره?وهو يكشف لها الهول والمفاجأة وينشد الرأي والمشورة، حتى دخل على?خديجة –رضي الله عنها-?فقال: زملوني زملوني! فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم قال?لخديجة:?أي?خديجة!?ما لي؟ وأخبرها الخبر؛ قال لقد خشيت على نفسي، قالت له?خديجة:?كلا أبشر?والله لا يخزيك الله أبداً، ثم عددت صفاته الطيبة مطمئنة له ومسلية، ثم طلبت منه الذهاب معها لابن عمها ورقة بن نوفل للمشورة.
وتذكرت قصة الحديبية لما صالح النبي –صلى الله عليه وسلم- قريشاً على الرجوع وعدم دخول مكة عامهم هذا، ثم قال لأصحابه: "قوموا فانحروا"، حتى قال ذلك ثلاث مرات فلم يقم أحد منهم، فدخل –صلى الله عليه وسلم- على أم سلمة –رضي الله عنها- فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت له: يا نبي الله، اخرج ثم لا تكلم أحداً منهم كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك، فلما فعل ذلك قاموا فنحروا.
ومثل ذلك عشرات المواقف للصحابة –رضي الله عنهم- يشاورون فيها النبي –صلى الله عليه وسلم، كحديث خباب: "ألا تستنصر لنا؟" أتى إليه شاكياً وسائلاً، وحديث أنهم يجدون في صدورهم من الوسوسة! وغيرها كثير..
كذلك كان –صلى الله عليه وسلم- يشاورهم في كثير من الأمر، كما أمره الله بذلك: "وشاورهم في الأمر" وقوله تعالى: "وأمرهم شورى بينهم".. إن ذلك مما يعين الإنسان، ويضيف له المعرفة ويكسب التفاعل، والحضور، والمشاركة، ويزيل الهم والقلق، وينير العقل ويزيد في العلم.
كما أن من أهم ما يستشار فيه: "مهمات الحياة" كالعمل والتعليم والتخصص، والزواج، والسكن، والصداقة، والشراكة كذلك في مدلهمات المشكلات?والمشورة، تطلب من المختصين حسب نوع الاستشارة، وكلما كان قريباً وحكيماً فذلك أقرب للصواب!
قبل عدة سنوات، لما كنت أدرس الدكتوراة في لبنان في كلية الشريعة، وكنتُ قد أنهيتُ 6 مواد وبقيت مادة أخيرة لكنها بعد 5 أيام، وكان يمكنني اختبارها في الدورة المقبلة بعد شهرين، فاستشرت من حولي، فأشاروا علي بالذهاب للسعودية والعودة للدورة المقبلة خاصة مع تزامن وقت امتحان الدورة مع امتحانات أولادي، فقلت: رأي مبارك! ثم صليت ركعتين وتوجهت للسفر، ولما وصلت السعودية قامت حرب "تموز" وحجز الناس شهراً كاملاً داخل لبنان!.
شاور سواك إذا نابتك نائبة يوما وإن كنت من أهل المشورات
فالعين تبصر منها ما نأى ودنا ولا ترى نفسها إلا بمرآة