أمرتنا بخير فأطعناك..!

الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد                         7-1-1439

حينما يعيش أفراد المجتمع وكل منهم يؤثر فيه ما يملك سلبا «جاهه أو منصبه أو ماله أو شهرته أو مركزه»، فيحس بأنه كمُل فلا يظن بنفسه نقصا، ولا يرى الحق مع غيره، فحينئذ يصاب بالكبر والفوقية ورد الحق، وخاصة إذا أتاه ممن هو أقل منه سنا أو قدرا أو علما، وذلك من علامات الكِبرْ الذي قد يحرم الإنسان من دخول الجنة، فعن عبدالله بن مَسْعُودٍ رضي الله عَنِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» وبطر الحق رده، وغمط الناس احتقارهم.

والنفس في حياتها تحتاج تدريبا كبيرا وطويلا حتى تتعود على أمرين: الاستماع للآخرين وفهم ما يقولون، وقبول رأيهم والعمل به إن كان حقا ولو كان نقدا أو ممن هو أقل قدرا وسنا، كما قال الطغرائي:

لا تحقرنّ الرأي وهو موافق
حكم الصواب إذا أتى من ناقص
فالدُّرُّ وهو أعز شيء يُقتنَى
ما حَـطَّ قيمتَه هـوانُ الغائـص

ولا يضر ذلك قدر القابل للحق، بل يزيده رفعة عند الله والناس، فما ضر نبي الله سليمان عليه السلام قبوله لاعتذار الطير وأن لديه علما جديدا، وقبول رأيه لدعوة بلقيس ملكة سبأ «فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين». فلما قبل سليمان عليه السلام رأي طير.. كان ذلك خيرا وعزا للخير والإسلام ولبلقيس وقومها. ومن أعظم ما يحول بين الإنسان وقبول الحق أو آراء الآخرين «ظنه أن الحق معه»، أو أنه لم يعود نفسه على تفهم ذلك وتقبله، والمرء العاقل يعلم أن العلم واسع والجهل ممكن، فما يضيره لو ظن بأن غيره حاز علما أو حقا زائدا عليه، وما يمنع حصول الجهل لديه فمهما بلغ المرء درجة من العلم أو القدر أو المركز فليس مخولا له برد الحق واحتقار الناس وآرائهم، فذلك نزغ من الشيطان ومدعاة للنفور والتفرقة، ولو لم يقتنع المرء فما يضيره أن يناقش الأمر بهدوء وحوار علمي محترم، ويعارض الحجة بالحجة، والمرء الموفق يقبل الرأي إذا كان أمرا بخير ولا يترفع عن ذلك فتلك صفة العقل الراجح والإيمان العظيم، ومن الشواهد على ذلك قصة فقيه المدينة ابن أبي ذئب، رحمه الله، قال ابن عبدالبر في التمهيد «ج 20 ص 156»:

«سمعت غير واحد من شيوخي يذكر أن الغازي بن قيس «الإمام المقرئ شيخ الأندلس» لما رحل إلى المدينة سمع من مالك وقرأ على نافع القارئ، فبينما هو في أول دخوله المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل ابن أبي ذئب فجلس ولم يركع، فقال له الغازي: قم يا هذا فاركع ركعتين؛ فإن جلوسك دون أن تحيي المسجد بركعتين جهل أو نحو هذا من جفاء القول، فقام ابن أبي ذئب فركع ركعتين وجلس، فلما انقضت الصلاة أسند ظهره وتحلق الناس إليه،

فلما رأى ذلك الغازي بن قيس خجل واستحيا وندم، وسأل عنه، فقيل له: هذا ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة وأشرافهم، فقام يعتذر إليه، فقال له ابن أبي ذئب: يا أخي لا عليك أمرتنا بخير فأطعناك».

وما أحوج أهل الإسلام خاصة في ظل هذه الأحداث المتلاطمة «علماء ومتعلمين، رؤساء ومرؤسين، كتابا ومثقفين» إلى التحلي بهذه الروح «التواضع وحسن القول وطيب النفس» حتى مع المخالفين، وهذا يكون أهم في البلد الواحد والمجتمع الواحد، فكثير من الحق قد يضيع مع اللجاج والكبر، وقليل من الحق قد ينتشر مع الهدوء والتواضع.

جريدة اليوم:
http://www.alyaum.com/article/4150114