سفينتنا والإصلاح بين المفروض والمرفوض

الشيخ الدكتور/عبدالعزيز بن عبدالله الأحمد                         5/4/1432

إذا ذكر الإصلاح والتغيير، تعددت الآراء والطروحات، وتكرر الحديث بشكل ملف للنظر، خاصة في هذا الوقت الذي تكتنف فيه بلادنا مخاطر عدة، يجدر بعقلاء البلد تأملها، والمحافظة على مكتسباته، مع السعي الحثيث الظاهر للإصلاح والتغيير الإيجابي، لذلك من منطلق التفاعل إزاء حق الوطن وحب أهله، أضع بعض المعالم التي تقود لساحل الأمان، وتعود بالخير والبركة على الجميع.
فمن المفروض الشعور العميق بالعائلة الواحدة، وأن مجموع الناس صغاراً وكباراً، الخير يشملهم والشر يقع عليهم، بحيث يحس أفراد هذه السفينة بأي خير يطالها، وبمسؤوليتهم المباشرة عن دفع أي خطأ يحيق بها، بالإضافة إلى أحقية كل فرد أو توجه فيها، مع قبول بعضا لبعضنا الآخر، واحترام رأيهم، وإعطائهم الحرية والأمان لطرح ما عندهم عبر بوابة حسن الظن واعتبارهم مشاركين في البناء، ومن المرفوض أن تشعر فئة بأنها الكل، والبقية استثناء لا دور لها!
وإن تنفّذ اتجاهٍ أو فكرٍ في وقت ما، ومحاربته لفئة أخرى لن يؤدي للقوة إطلاقاً، فالاجتماع مقصد مهم من مقاصد الإسلام ومعلم شهير من معالم أهل السنة والجماعة، ولا يلزم من ذلك التطابق في وجهات النظر، فذلك عزيز، لكن من المفروض على كلّ مما يسمع قولهم ويؤثر رأيهم أن يتطاوعوا ولا يختلفوا، وأن يتلاينوا ويتصالحوا، فهذا الوقت ليس وقت الفرد والضعف، بل وقت الجماعة والمؤسسة المؤدية للعزة والقوة، ولقد كان الصحابة فيهم من الاجتماع والائتلاف والتقارب (مع وجود اختلاف في آرائهم وشخصياتهم) أنموذجاً عظيماً حقق هذا الأمر، واستجاب للنهج النبوي الكريم: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي ذر رضي الله عنهما: (تطاوعا ولا تختلفا), وهذا لا ينمو ويزداد إلا بحسن الظن والتقدير للآخرين وقدراتهم وفضلهم حتى لو كانوا صغاراً، وعدم استعجال إصدار الأحكام، والتصيد للزلات، وإشاعة الهفوات، فمن الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط؟ ودين الإسلام أمر بعدم تتبع العورات، وتصديق الظنون، والتجسس والقيل والقال، وكثرة السؤال التي يعز سوقها الآن، فالأخبار تتوالى، والشائعات تنتشر، والجلبة كثيرة، والموفق من لزم الهدوء ولاذ -بعد الله- بالعبادة وصدر عن علم وحق.
كما أنه من المفروض علينا جميعاً، فتح مجالات الحوار والنقاش البناء، وتوجيه الطاقات الهائلة لدى فئات المجتمع، خاصة الشباب، وخلق دور فاعل لهم داخل مجتمعهم، فهم يقرؤون ويسمعون ويشاهدون، وعدم مصادرة اختياراتهم، وتخطئة آرائهم مباشرة، فإن سكتوا ساعة فلن يستمروا دهراً، وكما توجهت الدولة لفتح مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني -وهو توجه جميل- فالأجمل الآن فتح عشرات المراكز مثله أو فروع له، تحيل الحوار واقعاً ملموساً، وتـأخذ بأيديهم إلى صناعة واقع المجتمع لا أن يكونوا تابعين دائماً.
إن الإصلاح كلمة عميقة ذات مدلولات عميقة، تحتاج قرارات شجاعة صادقة، لإشراك جميع قطاعات المجتمع وفئاته في تسيير المجتمع والوطن، وخلق الشعور الجمعي لدى الكل: الكل بدون اسثناء، من أصغر عامل إلى أكبر قائد رأس! وهذا لن ينجح بقوة في ظل هذه المتغيرات الخطيرة إلا حينما تعلو الشفافية، وتعزز ثقافة الصدق، وينشر العدل، ويحارب الكذب، ويزال النفاق والظلم!
إن الناس تجاوزوا بمراحل قضية: هل نشارك أم لا؟ وهل لنا حق أم لا؟ إلى سؤال جديد: كيف نشارك؟ وما حدود الحق لنا ولغيرنا؟
وقبل الختام، فإن من المفروض المسارعة إلى ردم الهوة بين طبقات المجتمع، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، والمسابقة في ترتيب الأولويات، وأعظم أسلوب لفقه أولوياتنا وتقييم أعمالنا انتهاج التواصل الاجتماعي بين القيادة والناس، عبر الوسائل الحديثة، وقياس مؤشرات الأداء لجميع العاملين في الدولة، ومعرفة من الناجح من الفاشل، ومعرفة من المنجز والناصح والوطني حقاً، ولدينا نموذج متميز في شخص وزير الإعلام عبر صفحته الشخصية التي فتحها لكل مواطن يريد أن يوصل صوته، مما جعل له قبولاً عند مختلف شرائح الناس.
إن عامل الوقت مهم جداً هذه الفترة، فالأيام لم تعد متشابهة مطمئنة، بل إن كل يوم الآن صار يحمل في جنباته تضاعيف سنين وتغيرات عقود، مما يستوجب مسابقة الزمن لئلا يسبقنا! وكفى ما مر في أزمنة ماضية، أن البقاء لصاحب العلاقة، أو المصلحة، بل إن البقاء الآن لمن يملك علماً وإخلاصاً وبذلاً وعطاء وأمانة وشعوراً بالمسؤولية الاجتماعية، وانتماء حقيقياً وصادقاً للوطن وأهله..
وختاماً، على الأمة جمعاء، وأهل وطننا، كثرة الدعاء بأن يجمع الله الكلمة، ويصلح الحال والمآل، ويوفق الراعي والرعية لما يحبه الله ويرضاه, ويحفظ على بلادنا أمنها وإيمانها ..
آمين .. آمين

د. عبد العزيز بن عبد الله الأحمد
المشرف العام على مركز حلول للاستشارات والتدريب