التمييز العنصري آفة مجتمعية تنتشر في كثير من المجتمعات لم يخلُ عصر من العصور منها، وتختلف باختلاف مظاهرها وشدتها والنتائج المترتبة عليها، وتعد العنصرية أحد أسباب الفتنة، وأبرز أسباب الحروب والتفرقة، ومن أشد الأمراض فتكاً بالمجتمعات.
ومذ بداية الخليقة ظهرت العنصرية قبل أن يسكن الإنسان هذه الأرض فقد مارس إبليس العنصرية ضد الجنس البشري كما ورد ذكر ذلك في القرآن الكريم: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ)، وتتنوع مظاهر العنصرية فمنها ما يتعلق باللون أو العرق أو اللغة أو الثقافة.الخ، وفيما يلي سنتعرف على مفهوم العنصرية ومظاهره وسبل مواجهته.


تعريف العنصرية:
العنصرية: هي الأفكار والمُعتقدات والقناعات والتَّصرفات التي ترفع من قيمة مجموعة معينة أو فئة معينة على حساب الفئات الأخرى، بناءً على أمور مورّثة مرتبطة بقدرات الناس أو طباعهم أو عاداتهم، وتعتمد في بعض الأحيان على لون البشرة، أو الثقافة، أو مكان السّكن، أو العادات، أو اللغة، أو المعتقدات.

وقد ورد تعريف التمييز العنصري في الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز العنصري كما يلي:

"التمييز العنصري" هو أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفصيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي ويستهدف تعطيل الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة.
يميّزُ علماء الاجتماع بين العنصرية الفردية والعنصرية المنظَّمة، وتشير الأولى إلى المعتقدات التَّحَيُّزِيَّة والتصرفات التمييزية التي تمارسها أكثرية ما ضدّ جماعاتِ الأقليَّات الأخرى، وهي، في الحالات جميعها، تَنْبَنِيْ على فرضيات عنصرية، أما العنصرية المنظَّمة فتشير إلى التمييز الذي تمارسه المجتمعات والمدارس والمؤسسات التجارية وغيرها ضد جماعات الأقليات الأخرى.


أسباب العنصرية:
لابد أن هناك أسباب مركبة ومتداخلة تقف خلف ظاهرة العنصرية، وتتعدد وتتداخل هذه الاسباب بتعدد وتداخل المجتمعات ومظاهر العنصرية ومن توجه لهم هذه المظاهر، وسنحاول تصنيف هذه الأسباب إلى فئات قدر الإمكان، حيث نرى أن من أهم أسباب العنصرية:
 

أولاً أسباب نفسية
1. الفروق الفردية أحد مسببات العنصرية حيث يتنوع البشر ويتباينون فيما بينهم ولذا تبرز اختلافات قد لا يستطيع البعض التعايش معها وتقبلها ومن هنا تبدأ كراهية الأخر وتوجيه العنصرية تجاهه.
2. الاضطرابات النفسية لدى بعض الأفراد قد تكون سببا في توجيه العنف والعدوان تجاه الآخرين لاسيما الذين يختلفون عنه.
3. الطمع والجشع لدى بعض الأفراد والجماعات قد يؤدي لظهور العنصرية تجاه مجموعات وأفراد يختلفون عنهم مما يؤدي لاستعبادهم والعدوان عليهم.
4. التكبر الغرور حيث يعتبر أحد أسباب الشعور بالتفضل عن الآخرين وبالتالي ممارسة العنصرية تجاههم والتقليل من شأنهم.
5. الرهاب الاجتماعي والخوف من التعامل مع الآخر والاندماج معه والشعور الدائم بأن الآخر لا يتقبلني ولا ينبغي لي أن أتعامل أو أتعايش معه.

ثانياً أسباب اجتماعية
تعد البيئة الاجتماعية أحد الأسباب التي تحفز على ظهور العنصرية، خاصة وأن بعض الجماعات تربي أبنائها وتزرع فيهم العنصرية بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن أبرز الأسباب الاجتماعية التي تساعد على ظهور العنصرية:
1. التنشئة الاجتماعية والتي تقوم بها المؤسسات التربوية من أسرة ومدرسة وغيرها، حتى أن بعض المقررات الدراسية تنمي الشعور التفرد لعرق معين أو طائفة معينة على ما دونها من جماعات وطوائف.
2. القبلية والتفاخر بالأنساب وبالأعراق.
3. الموروث الاجتماعي والعادات والتقاليد التي قد تكون في بعض الأحيان هي نفسها مظاهر العنصرية.
4. الانغلاق على الجماعة وعدم التواصل مع الجماعات الأخرى المختلفة والاندماج معها.
5. بعض المجتمعات لا تسمح لأفرادها بالزواج من خارجها، وتعتبر ذلك خروجاً على المألوف وخرقاً لقوانينها، وتعد ذلك خلطا لنسبها بأنساب أقل تميزا ونبلاً.

ثالثاً أسباب ثقافية
1. الجهل وعدم الوعي أحد مسببات ومحفزات العنصرية فلا تجد العنصرية تنتشر إلا في المجتمعات التي تعاني الجهل.
2. الاختلاف في اللغة والعادات والتقاليد يسبب نوع من الاختلاف بين المجتمعات وأفرادها مما ينتج عنه نوع من التمييز العنصري.
3. العقيدة والفكر المتجذر لدى بعض الجماعات والمجتمعات بأنها أفضل من غيرها كما نجد مثلا في عقيدة اليهود بأنهم شعب الله المختار وأنهم أفضل من غيرهم من شعوب الأرض.
4. يلعب الإعلام كأحد وسائل نشر الثقافة دوراً كبيراً في انتشار ظاهرة العنصرية، إذ قد يكون الإعلام محرضا في بعض الأحيان على فصيل أو عرق أو شعب أو مجموعة من البشر لصالح غيرها.
5. الموروث الثقافي لدى بعض المجتمعات والذي تناقله الأجيال جيلاً بعد جيل يؤصل في بعض الأحيان إلى العنصرية ويحفزها ويساعد على انتشارها.
ومن الموروث الثقافي ما تغنت به العرب قديما من تفاخر بالأنساب والأعراق كقول عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا  ....          فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ونحن الحاكمون إذا أطعنا  ....      ونحن العازمون إذا عصينا
ونحن التاركون لما سخطنا  ....     ونحن الآخذون لما رضينا
وأنّا المانعون إذاأردنا   ....          وأنّا النازلون بحيث شينا
وأنّا النازلون بكل ثغرٍ   ....          يخاف النازلونبه المنونا
ونشرب إن وردنا الماء صفواً  ....  ويشرب غيرنا كدراً وطيناً
إذابلغ الفطام لنا صبيٌّ  ....           تخر له الجبابِرُ ساجدينا


رابعاً أسباب سياسية
تعتبر الصراعات على الحكم والسيطرة على الموارد المالية والاقتصادية ودوائر اتخاذ القرار،من أهم أسباب العنصرية والصدامات المبنية على التمييز العنصري في العصر الحديث، حيث باتت الساحة السياسية في بعض البلدان مسرحاً لمظاهر التمييز العنصري، لإقصاء فصيل معين عن المشهد السياسي لصالح فصيل يرى أنه الأفضل والأحق، كما أن بعض البلدان تصدر قوانين ونظم تساعد بدورها على بروز العنصرية وانتشارها بين افراد المجتمع بعضهم البعض.

خامساً أسباب اقتصادية
حيث تكون الصراعات على الموارد المالية أو الموارد الطبيعية أحد أسباب استهداف بعض الجماعات أو القبائل أو الأعراق بالتمييز العنصري لإقصائهم أو للسيطرة المنفردة على بعض الموارد لا سيما في المجتمعات البدائية والفقيرة وشحيحة الموارد.

أسس التمييز العنصري
هناك عدة أسس تستند عليها العنصرية وممارسوها، ومنها:
- لون البشرة: ولعل جنوب أفريقيا وأمريكا تعد شاهداً تاريخيا للتفرقة والتمييز العنصري تجاه أصحاب البشرة السوداء، وقد امتدت تجارة الرقيق لعقود من الزمان إلى أن جاءت القوانين الحديثة لتجرم هذه التجارة.
- الجنس: حيث تمارس بعض المجتمعات العنصرية على أساس الجنس كتمييز الرجال مقارنة بالنساء.
- القوميّة: نسبة إلى القوم، أو الجماعة التي تتصل ببعضها بصلات معينة، كالقومية اليهودية والتي لا تزال تمارس عنصريتها تجاه غيرها من القوميات.
- اللغة أحد الأسس التي يستند إليها في التمييز العنصري بين البشر.
- المعتقدات والأفكار كالرأي السياسي او الاتجاه الفكري.
- الثّقافات والعادات والتقاليد أحد أسس التمييز العنصري.
- الطبقات الاجتماعيّة حيثُ يحتقرُ الأغنياءُ الفقراءَ ويتحكّمون بهم، فمُعاملة الفرد واحترامه مبنيّة على مكانته الاجتماعية.


صور التمييز العنصري
وهُناك عدّة صور للتمييز العنصري التي حُرّمت بموجب قانون التكافؤ منها:
• التمييز المباشر: وهو التعامل بأسلوبٍ دونيّ، والتقليل من شأن الشخص واحتقار وتفضيل شخصٍ آخر عليه في المقابل، ويتمّ بين الطرف المُمارِس للتمييز والطرف المُمارَس التمييز عليه بشكلٍ مباشر ومُعلَن دون نوايا خفيّة، مثل أن يرفض محلٌّ تجاريٌّ ما خدمة زبون بسبب انتمائه لقومية أو أقليّة ما وقد يتطور هذا النوع ليصل إلى ممارسة العدوان اللفظي والعنف الجسدي، وقد يتطور بشكل أكبر ليصل إلى حروب وصراعات مسلحة.
• التمييز غير المباشر: ويكون عند وضع شروط وقوانين يتم تطبيقها على فئة معيّنة من المجتمع دون أخرى وبدون سبب واضح لذلك، وتكون هذه الشروط لصالح فئة أخرى، مما يسبب ضرراً وإيذاءً للفئة الأولى.

أشكال التمييز العنصري
للعنصرية والتمييز العنصري أشكالٌ عدّة، هي:
• التمييز الفردي: تكونُ العنصرية فيه موجّهة للفرد ذاته، ويُشير هذا التمييز إلى عدم التكافؤ في مُعاملة الفرد بسبب كونه فرداً.
• التمييز القانوني: تكون العُنصرية فيه موجّهة لجماعة لحساب جماعات أخرى، حيثُ يُستخدم القانون ويُفرض بشكل جائر لتحقيق عدم المساواة، ومن الأمثلة الواضحة على ذلك الفصل العنصري، وحرمان الأفارقة السود من حقوق الملكيّة، والعمل، وممارسة الحقوق الدستوريّة إبّان الحرب الأهليّة في جنوب أمريكا.
• التمييز المؤسسي: تكونُ العنصرية فيه موجّهة لإفادة وتحقيق أهداف مجموعة واحدة على حساب مجموعات أخرى، حيث يؤدي ذلك إلى حرمان هذه المجموعات من حقوقها، ومثال ذلك نظام الطبقات في المجتمع الهندي.

منهج الإسلام في التصدي للعنصرية
جاء الإسلام ليهدم كل مظاهر التفرقة والتمييز بين البشر على أساس زائف كاللون والجنس والعرق والقبيلة، ويضع موازين جديدة للبشر، موازين أساسها الحرية والمساواة والمفاضلة فيها بناءً على العمل ونقاء الذات وسلامة المعتقد.
وقد سبق الإسلام منذ بزوغ شمسه بوضع قوانين للمساواة ولتحرير البشر قبل أن تأتي المنظمات الدولية قبل سنوات لتضع هذه القوانين وتدعو العالم لاحترامها.

وسنوضح في نقاط أبرز سبل مواجهة العنصرية اقتباسا من المنهج الإسلامي كما يلي:
• ترسيخ مبدأ المساواة:
في خطبة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لأدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى)، وتزخر السيرة النبوية بالمواقف التي يعلم فيها الرسول -صلى الله عليه وسلم- أصحابه ويؤسس فيهم مبدأ المساواة وأنهم جميعا من خلق واحد متساوون في كل شيء وأن لا يفضل أحداً أحداً.
• الأفضل الأتقى
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾، فقد وضع الإسلام ميزان التفاضل بين البشر على أساس العمل الصالح والتقوى وليس على أساس الأنساب أو الأعراق أو الأموال، وعن عقبة بن عامر, عن رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: "النَّاسُ لآدَمَ وَحَوَّاءَ كَطَفِّ الصَّاعِ لَمْ يَمْلأوهُ, إنَّ اللّهُ لا يسألُكُمْ عَنْ أحْسابِكُمْ وَلا عَنْ أنْسابِكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ, إن أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أتْقاكُمْ".
• نبذ العنصرية ووصفها بالجاهلية
روى أبو داود في سُننه عن أبي هريرةَ -رضى الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن اللهَ عز وجل قد أذهب عنكم عُبِّيَّة الجاهليَّة وفخرَها بالآباء، مؤمنٌ تقيٌّ، وفاجرٌ شقيٌّ، أنتم بنو آدم، وآدمُ من تراب، ليَدَعَنَّ رجالٌ فخرَهم بأقوام إنما هم فَحْمٌ من فَحْم جهنَّمَ، أو ليكونُنَّ أهونَ على الله من الجِعْلان التي تدفع بأنفها النَّتْن(، وعن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، قال: رأيت عليه بُرْدًا، وعلى غلامه برداً، فقلت: لو أخذت هذا فلبسته كانت حُلَّةً، وأعطيته ثوباً آخر، فقال: كان بيني وبين رجل كلام، وكانت أمه أعجميةً، فنلت منها، فذكرني إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي: "أساببت فلاناً" قلت: نعم، قال: "أفنلت من أمه" قلت: نعم، قال: "إنك امرؤ فيك جاهلِية".

تكافؤ الفرص
الإسلام يساوي بين الناس جميعاً في الحقوق والواجبات، فالجنة ليست مقصورة على أحد ولا التكليفات الربانية مخصوص بها فئة دون الأخرى، فالناس سواء في التكاليف والأجر والثواب، والجنة فرصة متاحة للجميع قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل/97.

• التعامل مع الآخر
الإسلام يدعو إلى الإحسان بشكل عام سواء للنفس أو للآخر، حتى لو كان الآخر يختلف عنه في صفاته ومعتقداته، بل أن الاسلام يؤكد على الاهتمام بالفئات الضعيفة والفقيرة والمرضى وذوي الاحتياجات، قال تعالى: "وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"، فقد أمر الله سبحانه بالإحسان إلى هذه الأصناف بإيصال الخير إليهم ودفع الشر عنهم.