تعريف الإبداع
  مسلمات الإبداع
  القدرات الإبداعية
  عوامل تيسر نمو الإبداع
 


   يعد الإبداع أحد المصطلحات التي ذاع صيتها وكثر تكرارها في عصرنا هذا ، وقد اختلفت التعريفات حول هذا المفهوم باختلاف وجهات النظر التي من خلالها يصاغ التعريف ، فينظر العلماء والباحثون للإبداع على أنه الإنتاج العلمي الجديد، والذي يضيف للعلم اكتشافات ونتائج تثري الحياة والمجتمعات بالعلم، والمعرفة، والتقدم التكنولوجي، ولكن الإبداع على عكس ذلك فإذا وجهنا نظرنا إلى ما حولنا وسوف نجده في مختلف المجالات الحياتية؛ سواء المرتبطة بالعلم، أو الشعر والروايات، أو المنتجات العادية التي يحتاجها الفرد العادي في المجتمع .

ومن هنا كانت الضرورة لتقديم تأصيل علمي دقيق لمفهوم الإبداع يمكننا من خلاله أن نصل لصورة واضحة ودقيقة لهذا المفهوم حتى نجيد استخدامه .

تعريف الإبداع
كثرت التعريفات للإبداع كما سبق وذكرنا ولكننا سنحاول عرض التعريفات الأكثر دقة وشمولاً وموضوعية :-
• تعريف د . ايمن عامر
الإبداع: هو ظاهرة سلوكية متعددة الجوانب، تتبدى من خلال ممارسة الفرد أو الجماعة لسلسلة من العمليات العقلية، والتي يصاحبها ويتفاعل معها مجموعة أخرى من العمليات الوجدانية والاجتماعية في ظل توافر خصال معينة؛ مما ينتج عنه التوصل إلى طرح أفكار، قد تفضي إلى تشكيل منتجات تتسم بخصائص أساسية من قبيل الجدة، والملاءمة والقيمة؛ سواء كانت (قيمة نفعية أو جمالية ).
• ويشير "فروم 1959 إلى الإبداع بأنه: القدرة على الإدراك والرؤية والاستجابة، وأهم شروطه الدهشة نتيجة الإحساس بمشكلة في أحد المواقف و القدرة على التركيز وقبول الصراع والتوتر
• ويعرض "كاتز" Katz 2005 تعريفًا للإبداع، مفاده: تعلم كيفية إثارة طاقات الفرد ليكون فعالا، ومولع بالاستطلاع، ويتحدى مواقف العمل الطارئة
• ويرى "ماسلو Maslo" 1959الإبداع هو: القدرة على التعبير عن الأفكار دون خوف من سخرية الآخرين. وعرفه "سوركين" 1961 بأنه: الإضافات البناءة والجديدة التي تضيف أفكار جديدة (عبدالسلام عبدالغفار ،124،1977).
• والإبداع في دائرة المعارف البريطانية : Encyclopedia Britannicg 2005هو القدرة على إنتاج شئ يتصف بالجدة من خلال مهارة التخيل البارع؛ سواء أكان حل جديد لمشكلة ما، أو طريقة جديدة لإنجاز الأهداف، وبصفة عامة يشير الإبداع إلى ثروة هائلة من الأفكار الأصيلة.


مسلمات الإبداع
إن الإبداع مثله مثل أي ظاهرة إنسانية، أو كونية، يجب أن تقوم علي أسس فكرية محددة، لكي يتمكن من يتناولها من تبني رؤية معينة توضح معالمها الحالية وامتداداتها المستقبلية، وهي ما يمكن أن نطلق عليه المسلمات Postulates التي تكمن خلف الإبداع، وسوف نعرض بإيجاز أبرز تلك المسلمات، لكي يكون بمقدورنا فهم تلك الظاهرة، والتعامل معها بصورة أكثر شمول وإجرائية:

1- لدي كل الناس قدرات إبداعية، ولكن بمقادير مختلفة؛ فكما تطبق القوانين في المجتمع الديموقراطي علي جميع المواطنين، بغض النظر عن مستواهم الاقتصادي والاجتماعي، الغني منهم والفقير، كذلك فإن تفكير كل من المبدعين، وغير المبدعين، لا يختلف إلا من حيث " درجة " توافر خصائص الإبداع فيه .
2- المكون الغالب علي الإبداع: هو المثابرة والجهد والمعاناة، وليس مجرد الإلهام. لا يفوتنا في هذا السياق أن نستدعي مقولة " إديسون " الشهيرة حين سئل :
- ما الإبداع؟.
- فقال : (99% )جهد ، و(1%) إلهام.

3- الإبداع قابل للتنمية؛ فالإبداع ليس كائناً ساكناً غير قابل للنمو، بل هو كائن حي مثله مثل كل الكائنات الحية الأخرى، قابل للتطور والارتقاء في حال اكتشافه بالطرق المناسبة، وفي الوقت الملائم، ورعايته وفق الأسس العلمية المتعارف عليها، وتنميته بالأساليب المبتكرة.
4- الإبداع جزء من حياتنا اليومية: إن الإبداع هو بمثابة القوة الدافعة لتغيير الاتجاهات، وليس بمقدورنا الحياة بمعزل عنه؛ فحيثما نذهب سنجده في مواجهتنا، وسنحتاج إليه للتغلب علي ما يلم بنا من صعوبات ومشكلات، وما يعترض سبيلنا من معوقات.
5- يمكن انتقال آثار التدريب علي الإبداع من مجال إلى آخر. كما أن من يتعلم قيادة السيارات النقل يسهل عليه قيادة السيارات الخاصة، وكما أن من يتعلم اللغة الإنجليزية يمكنه من تعلم اللغة الفرنسية علي نحو أيسر؛ كذلك فإن من يتعلم الإبداع في طرق التدريس للطلاب يكن من اليسير عليه أن يبدع في إدارة علاقته بزوجته، وتربية أطفاله .
6- الإبداع تراكمي: فالإبداعات التالية تعتمد بصورة ما علي تمثل تاريخ الإبداعات السالفة، وسير حياة المبدعين السابقين، انطلاقا من مبدأ تواصل دورة حياة الإبداع رأسياً، عبر الأجيال، وأفقياً عبر المجالات والأشخاص. وحري بالذكر أنه قد تبين من خلال الدراسات العلمية أن المخترعات والمنتجات الإبداعية تتم نتيجة تراكم جهود عدد كبير من العلماء علي مدي الأجيال، مثل مساهمة " 12 " عالماً مبدعاً في تطوير الآلة البخارية مابين عام "1650- 1785 "، إلى أن أعطاها " وات " صورتها النهائية .



القدرات الإبداعية Creative abilities
احتلت قضية الإبداع منزلة رفيعة لدى الكثيرين، خاصة التربويين الذين يؤمنون بأن طاقات الإنسان الكامنة تتمتع بثراءٍ كبيرٍ، ولا يحتاج لكي يزدهر ويتألف، إلا إلى اكتشافه وتنميته ممن لديه الخبرة والدافعية والالتزام
ويشير "بركنس" Perkins إلى أن القدرات الإبداعية: هي مجموعة من القدرات تؤدي إلى إنتاج يتصف بالجدة والأصالة، إضافة إلى عدد من القدرات، مثل الحساسية للمشكلات والقدرات التحليلية، والتركيبية، والمرونة.
 
ويتفق الباحثون على أن أهم القدرات الإبداعية هي:-
   1-الحساسية للمشكلات Sensitivity To Problem ::
وهي تعني قدرة الفرد على الشعور، والإحساس بالمشكلات ، أو إيجاد المشكلات، واكتشافها، وتحديد المعلومات الناقصة، وطرح التساؤلات الجديدة حول المشكلة
   2-الطلاقة Fluency: :
وتعني القدرة على توليد عدد كبير من البدائل، أو المترادفات، أو الأفكار، أو المشكلات، أو الاستعمالات عند الاستجابة لمثير معين والسرعة والسهولة في توليدها .
-والطلاقة عدة أنواع: متها :-
أ-الطلاقة اللفظية :: Words Fluency –
ب- الطلاقة الفكرية:Ideational Fluency :-
ج-طلاقة التداعي Fluency : Associational
د-الطلاقة التعبيرية :Expressional Fluency
ه-طلاقة الأشكال : - : Figures Fluency

   3-المرونة: Flexibility:-
هي القدرة على توليد أفكارمتنوعة، أو حلول جديدة ليست من نوع الأفكار والحلول الروتينية، والمرونة عكس التصلب الذهني، الذي يعني بقبول أفكار معينة جامدة لا تتغير بسهولة
-وتنقسم المرونة إلى:-
أ-المرونة التلقائية Flexibility :Spontaneous
ب- المرونة التكيفية Flexibility Adaptive

   4- الأصالة: : Originality
الأصالة :- هي القدرة على التفكير في أفكار، أو منتجات جديدة، أوغير عادية، أو المضي فيما بعد المألوف والشائع ، وعند "جيلفورد " هي القدرة على إنتاج العديد من التحولات، ويرى "تورانس" أن الأفراد ذوي الأصالة، هم الذين يستطيعون الابتعاد عن المألوف والشائع؛ بحيث يدركون العلاقات، ويفكرون في الحلول المختلفة عن التي يفكر فيها الآخرون.

  5-التفاصيل والتأليف Elaboration and Synthesis :
تعني التفاصيل عند "تورانس" الإتيان بفكرة ما، ثم تحديد تفاصيلها، ويمكن لذوي القدرة المرتفعة على التفاصيل أن تكون رسومهم وخططهم ومشروعاتهم مفصلة ،كما أشار "جيلفورد"في تعريف لهذه القدرة بأنها "الإنتاج الافتراقي للتضمينات "، وذلك يعني أن كل فكرة أو عمل لابد أن يتضمن جوانب متعددة، والتفاصيل: هي القدرة على إدراك هذه التفاصيل وإنتاجها .

   6-الاحتفاظ بالاتجاه ومواصلته :وهي القدرة على الاحتفاظ بالانتباه والتركيز في مشكلة ما لمدة من الزمن دون تشتت، وقد اكتشفها " سويف"، لكن لم يستطع أن يحدد فيما إذا كانت قدرة عقلية أو سمة مزاجية إلا أنه أكد على أنها مرتبطة ارتباطاً إيجابياً مع قدرات الإبداع الأخرى، وقد أشار "عبد الستارإبراهيم " إلى أن هذه القدرة تمكن الفرد المبدع من إطلاق طاقته المتمثلة في التركيز في مشكلة ما تقع في مجال اهتمامه؛ بحيث يهدف لحل المشكلة بأفضل شكل، ويتطلب ذلك مرونة مرتفعة، وقد أكد على أن هذه القدرة تظهر عند الروائيين بشكل أفضل، وتأخذ أشكالاً عديدة، هي:
1-المواصلة الزمنية والتاريخية: وذلك من خلال التسلسل في الأحداث بشكل منظم.
2-المواصلة الإدراكية: وذلك من خلال استمرار إدراك الواقع.
3-المواصلة الخيالية: من خلال استمرار تنمية الصورة الخيالية.
4-المواصلة التقييمية: بحيث تتفق النتائج مع المقدمات.
5-المواصلة الأدائية: بحيث يستمر الفرد في الاحتفاظ بطاقته البدنية والنفسية

   7- النفاذ Penetration:
ويعني القدرة على رؤية ما يتجاوز الواضح والمباشر، وتتطلب هذه القدرة نوعاً من التقييم لتكون الرؤية واقعية ومقبولة، ورغم أن التقييم يؤدي إلى إحباط كثير من الأفكار المبدعة بما أنها غير مألوفة، مما يجعل عملية تقبلها صعبة، وخاصة من الآخرين .
8-إعادة التنظيم والتحديد Redefinition:
أثارت المدرسة الجشطالتية الاهتمام بهذه القدرة، وفيها تظهر أهمية التحليل والتركيب للأجزاء في الكل، كما أشار "عبدالحليم محمود" لأهمية هذه القدرة. ويمكن اعتبار هذه القدرة ضمن قدرتي التفاصيل والتأليف؛ حيث إن الأولى تتطلب تحليل الكل، حتى يتم معرفة الأجزاء المكونة لها، بينما تتطلب قدرة التأليف القدرة التركيبية المتمثلة في تكوين كل متكامل من الأجزاء المختلفة، وقد أطلق "عبدالحليم محمود" على التفاصيل مسمى القدرة التحليلية، وأطلق "عاقل" على التأليف مسمى القدرة التركيبية .


عوامل تيسر نمو الإبداع هناك عوامل تساعد على تواجد ونمو الإبداع وهذه العوامل تنقسم إلى عوامل شخصية واجتماعية هي:
أولاً العوامل الشخصية :
يشير "وودمان" Woodman 1993إلى أن الإبداع الفردي يظهر من خلال تركيبته الشخصية، التي تتألف من معارفه، ومدركاته ,والمؤثرات الاجتماعية والسياقية التي يعيش فيها .

وهناك مجموعة من العوامل الشخصية التي تيسر الإبداع ومنها :-
• سمات الشخصية :-
فعلى سبيل المثال يرى كل من "Barron 1981&Gough " أن الأفراد المبدعين يتميزون عن غيرهم بأن لهم سمات شخصية مستقرة؛ هذه السمات تتضمن إطلاق عنان الفكر والاستقلالية, والإحساس بالإبداع الذاتي . ويضيف Amabile أن الأداء المبدع يتطلب قدرات إبداعية من قبل إيجاد حلول بديلة ,واستخدام التفكير التباعدي؛ هذه المهارات ضرورية ,لأن الإبداع يتطلب أسلوب إدراكي معين , والذي يتضمن تجميع المعلومات , وتطبيقها، والتوجه الفعال، والقدرة على التركيز في مهمة معينة، لفترات طويلة من الوقت
كذلك تُعد الدافعية عاملاً مهما فقد ميز "شاكر عبدالحميد " بين نوعين من الدافعية الإبداعية تتمثل في :أ- الدافع الإبداعي العام، حيث يكون الهدف من العمل الإبداعي أن يصبح الفرد مبدعا ،ب-الدافع الإبداعي الخاص الذي يرتبط بموقف طارئ يدفع الفرد للحصول على عمل إبداعي أو حل لمشكلة يتميز بكونه مبدعاً .

• الذكاء:-

ومن العوامل الشخصية أيضا الذكاء؛ حيث يشترط "جيلفورد"الذكاء لنمو الإبداع رغم أنه وجد أن معاملات الارتباط بين درجات اختبار القدرات الإبداعية و نسبة الذكاء منخفضة،فقد اتضح أن ارتفاع نسبة الذكاء ليس كافياً للأداء الجيد في اختبارات القدرات الإبداعية غير أنه من الضروري أن يكون الفرد أعلى من المتوسط في الذكاء، ويتفق معه "عبدالحميد"؛ حيث ذكر أن الارتباط بين الإبداع و الذكاء غير مباشر، ولكن الفرد يحتاج إلى دراسة أو شهادة تتطلب ذكاءً متوسطاً
• الخبرة:-
ومن العوامل أيضا الانفتاح على الخبرة ،وعلى أفكار الآخرين، مع الإيمان بصحة الأفكار الشخصية
كما لا يمكن إغفال سمات أخرى مثل الاستعداد، والرغبة للمخاطرة والمغامرة، بالإضافة إلى الثقة بالنفس وتقدير الذات، كذلك فإن استخدام الأسلوب المعرفي الذي يؤكد على التفرد في التفكير، والابتعاد عن الأسلوب الجماعي والقدرة على تحمل الغموض، والتعامل مع المتغيرات غير المألوفة من العوامل التي يكون لها دور في التحسن الإبداعي
وتُعد الاستمرارية في العمل والتركيز من العوامل الأساسية لنمو الإبداع، وقد تظهر كمرحلة من مراحل العملية الإبداعية تليها فترة الاسترخاء الذهني، ثم التوصل إلى الحل والتي يتضح فيها دور الدافعية


ثانياً العوامل الاجتماعية:-Social Factor:-
• البيئة:-
يرى"مامفورد"2000 Mumford أن العوامل الاجتماعية تؤثر على إبداع الأفراد؛ فالبيئة المساندة للفرد المتقبلة للأفكار المبدعة، والتي توفر الوسائل المختلفة التي تساعد على نمو الإبداع من خلال إدخال تحسينات عليها تجعل الفرد أكثر إبداعا

• التعلم:-
ويشير "مانسفيلد " (Mansfield) إلى أن :-إتاحة الفرصة للتعلم واكتساب المعرفة ،وتوفير الوقت الكافي للفرد ليجرب كل الأفكار، وإتاحة مناخ من الحرية والمرونة في بيئة العمل يتمثل في عدم تدخل الإدارة في عمل الفرد، والسماح له بالتجريب والمحاولة

• الثقة :-
وقد أظهرت دراسة "فريمان " Freman1987 أن الإبداع و الموهبة يزدهران في بيئة توفر للفرد الثقة والأمان النفسي، كذلك فإن العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع تؤدي إلى الإبداع – إذا كانت قائمة على الحوار والمناقشة وحرية التعبير عن الرأي والاستفادة من الرأي الآخر.