إن هذه العبادة تمثل برنامجاً متكاملاً يزيد الجانب العلمي نوراً، والعاطفي سمواً، والسلوكي حُسناً، برنامج يدفع الهمة للتحرك، ويفعِّل اللسان والجوارح نحو الاتجاه الصحيح ؛ وذلك من خلال إطلاق النفس عن محبوباتها، والارتفاع عن مشتهياتها.
وإزاء التغيرات العظيمة التي تحيط بالمسلم حال الصوم؛ فإنه يصح أن نطلق عليه: برنامج التغيير الكبير للذوات، ألم يقل الله تبارك وتعالى: "لعلكم تتقون"؟ بعد الأمر والإلزام لأحبابه: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام "؟ أولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم : "الصوم جنة"؟، إذن، عملية الصوم توجه الإنسان نحو الخير والجنة وتبعده عن الشر والنار..والصوم بذاته كالسياج الحامي من طغيان الشهوات والملهيات..
وإذا كان لكل أمة من أمم الخلق خصائص ومزايا اختصت بها في عباداتها وعاداتها وأعيادها، وفي مواسم الخير والطاعة فيها، فقد خص الله عزوجل هذه الأمة المحمدية في شهر رمضان المبارك بخصائص فريدة لم تنلها أمة من الأمم، تكرمة لها وتخليداً لذكرها، وإشادة بمكانتها ومنزلتها عند الله تعالى
ولكن دعونا نتعرف على الصوم بشكل أكثر دقة .

أهدافه :
يذكر أهل العلم قاعدة مهمة مفادها: أنه لا يلزم أن تُعرف الحكمة من فرض كل شيء، ولكن إن هديت العقول لحكمة شرعية أو عقلية فإن ذلك يزيدها هدى وطمأنينة. وهذا ما ينطبق على الصوم؛ إذ فيه العديد من الحكم والمعاني التي تثبت المؤمن وتزيده قوة، ومن أبرز الحكم التي التمسها أهل المعرفة لهذه الشعيرة العظيمة:
-1 أولاً، يقصد من فريضة الصوم تحصيل التقوى، وهي عبارة عن معرفة الطاعة والاقبال عليها، وتطبيقها رغبة في رضا الله والجنة، ومعرفة المعصية وتركها محبة لله وخوفاً من غضبه والنار، يقول الله تعالى: [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] البقرة:183. قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه الأمة وآمراً لهم بالصيام وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم فلهم فيه أسوة حسنة.
-2 ثانياً، تقوية الإرادة، والتي هي محور الارتكاز في السلوكيات، وذلك ظاهر حينما يترك المرء محبوباته من الحلال وهو يصبر عنها، كل ذلك بإيمان يقوي فيه الإرادة، فتدفعه تلك الهمة نحو السمو والتعالي عن الاستعباد للعادات والمألوفات، وهذا أمر ينادي إليه المتخصصون، حيث يرون بأن مرد سعادة المرء وشقاوته ترجع إلى مدى تحكمه بإرادته قوة وضعفاً.
-3 ثالثاً، إبراز أهمية الوقت وضرورته، ووجوب التقيد به، وهذا يلاحظ – ظاهراً - حال الإفطار ليلاً، وحال الإمساك عن الأكل سحراً.

-4رابعاً، إحياء روح الاجتماع، ووحدة الكلمة والصف، وذلك واضح في مشروعية الصوم للجميع صغاراً وكباراً، وصلاة التراويح والقيام جماعة، فصلاً عن صلاة الجماعة التي تتكرر خمس مرات في اليوم والليلة
-5 خامساً، إبراز التراحم والتكامل وإيقاظ الشعور بالآخرين لا سيما المحتاجين من الفقراء والمساكين، وذلك ينفي الأثرة والأنانية، ويشيع صور المودة والإخاء، ولذا رُغِّب في الصدقة وفُرضت الزكاة، ونُدب لزكاة الفطر ؛ كل ذلك من أجل جعل الفقراء يشاركون الناس في فرحة العيد كما شاركوا في شعيرة الصيام والقيام.
-6 سادساً، العبادات بشكل عام -والصوم بشكل خاص- تربي المسلم على التوجه الصادق، والتوحيد الخالص، ونزع الشهوات، والرغبات، والمتعلقات الدنيوية من النفس

-7 سابعاً، يلعب الصوم دوراً هاماً في الصحة النفسية للفرد، وهذا ما أكدته الدراسات حيث يقول [Burks,H 1979] في مقال تحت عنوان [Who needs to fast]، يرى أن كل شخص يحتاج إلى الصوم في فترة من العام، لأن الصوم له تأثير إيجابي على الجسم والعقل والروح.
وفي دراسة أجريت بعنوان [أثر الصوم على الحالة النفسية لمرضى السمنة] [David 1990] شملت 94رجل وامرأة، ممن يتبعون نظام الحمية سواء عن طريق الصيام أو اتباع نظام غذائي معين شبيه بالصيام، وتم دراسة سلوكهم والمتغيرات السلوكية وكانت النتيجة تشير إلى أن هناك 72% من العينة خلال عشرة أسابيع كانت حالتهم كالتالي: من الأسبوع الأول إلى الأسبوع الرابع، انخفاض نسبة الاكتئاب لديهم بنسبة مرتفعة، بينما من الأسبوع الخامس إلى الثامن، لوحظ اختفاء نسبة الاكتئاب لديهم والاضطرابات النفسية.
8- ثامناً، للصوم أثر في الصحة الجسمية والبدنية للفرد، فالجسم يستطيع من خلال الصوم أن ينشط الغدد الحيوية داخل أعضاء الجسم ويبعث النشاط للفرد، كما يقي الفرد من بعض الأمراض الجسمية مثل ارتفاع السكر في الدم.

ماهيته :
1. إن الصوم يقوم على المنع، فقد فرض الله الإمساك والكف
عن تناول المفطرات من الأكل والشرب والنكاح من طلوع الفجر الثاني حتى غروب الشمس، وذلك يتناول الجانب الحسي السلوكي، وهو الجانب الظاهر المشهور. ولكن هناك جانب مهم وبارز، ولأجله شُرع الصوم؛ ألا وهو تنقية الجانب المعنوي النفسي وتنظيفه، فلو -مثلاً- صام شخص ما الصوم الحسي، ولكنه لم يؤدي الصوم المعنوي؛ فإنه لم ينجح في الصوم النجاح المطلوب! ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم  " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه"[1].
2. وفي جانب آخر نجد أن الوقت عِمادٌ أساس في الصوم، فالعبد مأمور بالإمساك والإبتعاد عن المفطرات الحسية والمعنوية طيلة النهار، ويلاحظ أن المنع كان موقوتاً بالنهار؛ وهو وقت النشاط والحركة، فالله سبحانه وتعالى أمر -وهو أعلم- بترك المفطرات نهاراً ليحد من شهوة الإنسان، ويكسر من عنفوانه، وكذلك ليخف الجسم من المثقلات؛ ويصير مرهف الحس والشعور..
3. ثم شرع – بالإضافة لذلك - القيام الليلي، وجعله اجتماعاً ليلياً يُقرأ فيه القرآن ويتغنى فيه فيتناسب حينئذ أن تتجاوب الأرواح المتخففة من أوضار الدنيا مع الآيات العطرة، فتخشع النفوس، وتقشعر الأبدان، وتمطر العيون رجعها، ويجري على الخدود دمعها، إنها حقيقة لا خيال، شهدها الناس الصوَّام القوَّام في شهر القرآن..رمضان!
4. وكما تحدثنا عن ماهية الصوم من حيث المنع والوقت، فإننا نتحدث أيضاً عن المدة. إن هذه العبادة العظيمة لهي "برنامج" ضخم كبير يستطيع من طبقه أن يتجاوز كثيراً من الأخطاء والذنوب، ويجني كثيراً من الإيجابيات والطاعات، وهو برنامج ليس قصيراً، بل برنامج مليء وثري بالوقت والعبادات، وقد فرض الله الصوم شهراً كاملاً 30 – 29 يوماً، وهذه مدة كافية – وبقوة - لتغيير أي ترسبات في النفس أو سلبيات.

الأساليب " والعبادات " :
إن هذا الشهر المبارك الذي يتضمن برنامجاً متكاملاً يُطبق عبر مخاطبة جوانب الإنسان المهمة المعرفية "العلمية"، والعاطفية "القلبية"، والسلوكية "العملية"، فالجانب المعرفي يزداد بقراءة القرآن
واستماعه، والجانب العاطفي يزداد بالدعاء والتراحم والتعاطف، والجانب السلوكي ينصقل بأنواع الأعمال الظاهرة ومنها الصوم والصدقة والصلة والقراءة وغيرها.
ولعلي أوضح بعض الأساليب التي تنمو في الإنسان المسلم عبر مجموعة من العبادات الإلهية في هذا الشهر المبارك :

أولاً: التنظيم..
إن البعض منا يتضايق من حاله و حال الآخرين في إهمال الوقت وعدم وضع اعتبار له، ويتعلل الواحد منا ـ في الغالب ـ بعدم القدرة والاستطاعة، ولكن في رمضان يتعامل الإنسان بشيء من التنظيم والاحترام للوقت، ومن أمثلة ذلك: تحديد بداية الشهر ونهايته، تحديد الإمساك وأكلة السحر ؛ فنهايته محددة لا يتجاوزها أي إنسان كائناً من كان، كذلك في الإفطار وهو أوضح من الامساك إذ لا يمكن أن يفطر قبل غروب الشمس ولو بدقيقة، بل يكون الصغير والكبير أمام المائدة لا يأكل أحدهم شيئاً ولو تمرة حتى يسمع تكبير المؤذن، فما أجمل هذه التربية والتدريب لاحترام الوقت.

ثانياً، الممارسة والتكرار :
لاكتساب العادات الحسنة لا بد من ممارستها وتكرارها حتى يعتاد عليها الإنسان، ولو نُظر إلى سبب ضعف كثير من الناس في تطبيق الأعمال الحسنة والسلوكيات الطيبة لوجد أنه يرجع لقلة الممارسة وندرة التكرار، والعكس صحيح، فلو نظرالناظر إلى بعض الأخطاء التي يعاني الناس منها لوجد أن ذلك بسبب تحولها لعادة متأصلة عندهم، ولذا ظهر التكرار الهادف والممارسة المتجددة لمثل عبادة الصوم ثلاثين يوماً ويشبه ذلك الصلاة خمس مرات كل يوم وليلة.

ثالثاً، استخدام القراءة والاستماع لا سيما القرآن:
وهذا بدوره يثري الجانب المعرفي في الحكم والأحكام والقصص والأمثال، ويفعِّل القلب في نواح يالخشوع والرضا والطمأنينة، ويتم ذلك من خلال القراءة الفردية (كل إنسان بمفرده) ويلاحظ هذا أثناء نهار رمضان، خاصة أن القراءة تعتبر من طرق العلاج الفعالة التي يوصي بها المرشدون النفسيون كأسلوب فعال لوقاية وتطويرها، كما يتم أيضاً من خلال القراءة من قارئ متقن حسن الصوت واستماع جماعي في صلاة التراويح ليلاً، وهذه الصورة يطلق عليها الأسلوب الجمعي، وهو يؤثر تأثيراً بالغاً على نفسيات الحاضرين، لا سيما في مظاهر الاستجابة وردود الفعل والحركة والأداء أثناء الاستماع أو الصلاة.

رابعاً، التعاون والتكامل:
وهو سلوك عظيم يظهر بجلاء في عبادة الزكاة أو الصدقة، سواء في تفطير الصوام، أو في البحث عن الفقراء والمحتاجين، وسد
خلتهم، إضافة إلى زكاة الفطر التي شرعت في نهاية هذا الشهر، كذلك يظهر التكامل في الاجتماع للإفطار والسحور، أيضاً في أداء الصلوات المفروضة في المسجد، ويبرز ذلك في صلاة التروايح  والقيام، كل هذا يوجه النفوس إلى أهمية الاجتماع والتعارف والتراحم والتآلف.

خامساً، التنفيس وذلك بالسؤال والدعاء لرب الأرض والسماء:
إن الإنسان له حاجات ورغبات يريد تحقيقها، وتقع عليه مصائب وابتلاءات يتمنى تخفيفها، فبدلاً من اللجوء للمخلوقين
أو الأطباء فقط ؛ يتوجه ببث ذلك وتنفيس الضيق الذي يعاني منه وطلب الحاجة التي يريدها من الله تعالى، وذلك برفع يديه مستقبلاً القبلة لا سيما وهو صائم، مستغلاً قرب الإفطار أو آخر الليل عند أكلة السحر، أو في السجود -وما أكثره في هذا الشهر لمن وفقه الله، وكم من إنسان يعاني وهو غافل عن هذه العبادة العظيمة، التي تعوِّد الإنسان على عظم الرجاء بالله، وتقوية الأمل به، واطِّراح تعلق القلب بالمخلوقين، ولذا أتت آية الدعاء بعد فريضة الصيام قال الله تعالى: [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ] البقرة:186. وفي هذه الآية لفتة جميلة فالله سبحانه وتعالى أجاب عباده بنفسه (فإني قريب)، ولم يقل للنبي صلى الله عليه وسلم كما هو المعتاد في سائر آيات السؤال: فقل إني قريب!

سادساً، تكثيف النشاط:
فبعد أن اعتاد الجسم، وتمرنت النفس على هذا النشاط الكبير ببعض الممارسات الطيبة أصبح الإنسان مهيأً لتحصيل أكبر قدر ممكن من التقوى، ولذا كثفت العبادات في الثلث الأخير من الشهر لعدة أمور منها:
لجعل مكتسبات هذا الشهر عادة، ولها صفة الديمومة فأي سلوك يتكرر كثيراً بصور متعددة يكتسب الديمومة لاحقاً.
لتدارك ما فات من إهمال أو تضييع لا سيما من المنشغلين أو اللاهين فتكون العشر الأخيرة مجالاً للمراجعة والتكفير عن التقصير.

سابعاً، الانفراد " الخلوة ":
وهو أسلوب عظيم ينبت شجرة الإخلاص، ويبني مقام الإحسان في قلب العبد، فالإنسان بعد تطبيقه للصوم لمدة عشرين يوماً؛ فإنه يذهب مُخفّاً من غفلاته ليخلو بخالقه عشرة أيام. إن العشرين الأولى تمهيد للدخول على ملك الملوك في خلوة لا كالخلوات، ينفرد المعتكف فيها بنفسه بالليل قائماً مصلياً باكياً، وبالنهار صائماً قارئاً داعياً، يراجع أعماله السابقة وما كسبت يداه، فيتطهر من زلاته سائلاً ربه العفو والمغفرة، وأن يثيبه الجنة ورضاه، يرفع ذلك عبر اعتراف قلبي، ودعاء لساني. قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله : أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر ما أقول فيها ؟ قال قولي " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني"[2].
إن كبار المتخصصين في الصحة النفسية يدعون الناس إلى تخصيص أوقات في اليوم والليلة والأسبوع والشهر والعام لذلك. في اليوم: لو نصف ساعة، وفي الأسبوع: ساعتين أو ثلاثاً، وفي الشهر: نصف يوم أو يوم، وفي العام: عدة أيام، وذلك لمراجعة الماضيات وتحسين الباقيات، كما قال ذلك " نورثفيلد "في كتابه "تعديل السلوك" ، أما أما نحن فلنا نحن ربنا وخالقنا الذي شرع لنا الصلوات اليومية والقيام الليلي طوال العام والتقدم للصلوات والجمعة والصيام الشهري والرمضاني، والاعتكاف في أي وقت ولا سيما في آخر رمضان إنها دعوة للمراجعة والتنقية والتحسين بصورة تناسب الإنسان.

المرغبات " الحوافز "
إن أي عمل يراد من الإنسان تنفيذه دون وجود حوافز؛ تضعف النفس عن أدائه، ولأن الله خلق الإنسان وجعله راغباً راجياً مؤملاً ؛ ومقابل ذلك جعله راهباً خائفاً، وشرع بحكمته ثواباً جزيلاً لمن اغتنم هذا الموسم واستغله بأداء برمجي مميز، ولذا يتشوق المؤمنون حقاً لهذه الأيام والليالي الفاضلة شوق الظاميء للماء البارد في اليوم القائض، إن الخالق سبحانه وتعالى وهو الغني عن عباده يسوقهم ويشوقهم بعدد كبير من المرغبات والحوافز حتى تتحرك النفوس لاغتنامها والفوز بها. .. ومن ذلك :
1. قال صلى الله عليه وسلم  " من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم
من ذنبه " [4] متفق عليه. إيماناً: تصديقاً بفريضة صومه،
واحتساباً: طلب الثواب من الله تعالى " قاله ابن حجر[3].
2. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " متفق عليه. وهذا الترغيب والتشويق فهمه راوي الحديث أبو هريرة رضي الله عنه حيث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة فيقول: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه".
وغيرها الكثير من الايات والاحاديث النبوية الشريفة التي تحفز على الطاعات والعبادات خلال شهر رمضان .

المعينات والميسرات:
إن الإنسان ربما ضعف أثناء تطبيقه لعبادة الصوم العظيمة، وضعفه هذا قد يؤدي به إلى الخطأ الذي يوقعه فيه ظلمه أو جهله
أو نسيانه أو عجلته كما هي طبيعة الإنسان، ولذا فالله الحكيم الخبير أعانه بعدد من المعينات، وأنعم عليه بصور من الميسرات، وهذا يبين الواقعية في هذا التشريع ليتناسب مع خلق الإنسان، ومن هذه المعينات والميسرات :
1. قال صلى الله عليه وسلم  " إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وأغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين"[4]، قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وأن ذلك كله علامة للملائكة لدخول الشهر، وتعظيم حرمته، ولمنع الشياطين من أذى المؤمنين، ويحتمل أن يكون إشارة إلى كثرة الثواب والعفو. وهذا أمر مشاهد، حيث تكثر أعمال الطاعة والخير، فالناس في رمضان إما مُصلٍّ أو قارئ أو متصدق وهكذا.مما يدل على أثر هذا الدعم الإلهي من تصفيد الشياطين، وفتح أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وتنـزل الرحمات والنفحات.
2. - ومن المعينات على الطاعات في هذا الشهر المبارك الأداء الجماعي لبعض العبادات، ويتمثل هذا في صلاة التروايح والقيام و إقامتها جماعة في المسجد، والاستماع لقارئ واحد، وهذا أمر مأثور عن النبيصلى الله عليه وسلم  فلقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم  عدة ليال، فصلى الناس معه حتى عجز المسجد عنهم لكثرتهم فلما صلى الفجر قام وتشهد وقال: "أما بعد: فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكن خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها"، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  والأمر على ذلك "[5]، إلا أن عمر رضي الله عنه خرج ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه. وهذا الأمر مما يعين الإنسان وينشطه.
3. ومن المعينات أيضاً، التجاوز عن النسيان في الصوم قال صلى الله عليه وسلم  " إذا نسي أحدكم فأكل وشرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه"[6]، وهذا من التيسير العظيم للصائمين.
4. ومن التيسير جواز أن يدرك الإنسان الفجر والأذان الأخير وهو جنب، ثم يغتسل. روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل
ويصوم"[7].
5. - ومنها أن الصائم إذا احتاج للإفطار في نهار رمضان إما لحاجة كسفر أو مرض ؛ فإنه يفطر ويقضى عنه بعد رمضان. قال تعالى: [فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ]البقرة:184.
6. أما من لا يستطيع الصيام لمرض لا يرجى برؤه، أو بسبب كبر ؛ فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً.

كيف نقوي إرادتنا ؟ :
إن الخطوة الأولى للتوبة وتصحيح الإرادة تبدأ من العلم بالشيء وفهمه، ولذا يلزم المسلم أن يتعلم أحكام دينه ولا سيما الأركان الخمسة ومنها الصوم، ثم تأتي مراحل بناء الإرادة الأخرى من الممارسة والتطبيق، والمتخصصون ذكروا أن البرنامج المفيد يتألف من ثلاث مراحل هي :
التعليم.
التدريب.
التطبيق 
أما الأول فواضح من حيث لزوم العلم بما يمارس ويطبق، وما هذه الورقات إلا لأجل التعليم والمعرفة لكل إنسان.
ثم يأتي بعدها التدريب، وهو الخطوة الثانية من خطوات البرنامج المفيد، وهو أمر مأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فلقد كان النبي صلى الله عليه وسلم  سابقاً قول هؤلاء المتخصصين، وذلك بتدريبه الصغار والأهل والأسرة، ومن ذلك ما روته الربيع بنت معوذ عن صوم عاشوراء، وقد أمرهم
النبي صلى الله عليه وسلم  بصومه قالت: "فكنا نصومه بعد ونُصوِّم صبياننا ونجعل لهم اللعبة من العهن فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه ذاك حتى يكون عند الإفطار"[8].
ومن التدريب تهيئة الجسم على استقبال شهر رمضان بصيام معظم شعبان، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان إلا قليلاً[9]. ومن التدريب التربية على الجد وتقوية الإرادة ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذا دخل العشر أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر".[10]
ثم يأتي بعد ذلك التطبيق، فالشهر كله مجال رحب للمارسة والعمل في ليله ونهاره، لا ينفك فيه الصائم عن عبادة قد شرعها الله وأحبها.

ولأجل الاستفادة الكبرى في إزالة أخطائنا وزيادة إيجابياتنا وتكثير طاعاتنا وتقليل معاصينا، فمن المناسب اقتراح بعض الفنيات العملية الواقيعة لتقوية إرادتنا منها:
• عقد النية على استغلال رمضان، والاستفادة منه بأقصى
ما يمكن قراءة وعملاً، ومحاولة عدم جعل رمضان كغيره من الشهور، فهو شهر شريف مفضل، ويكفي أن فيه ليلة
القدر، والقرآن أنزل فيه. ولذا روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  " أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبرئيل عليه السلام، وكان يلقاه جبرئيل عليه السلام في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فَلَرسول الله صلى الله عليه وسلم  حين يلقاه جبرئيل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة .

• التدرج: لا سيما في الطاعات، مع أن الواجب هو ترك المحرمات ومفارقة السلبيات مباشرة، لكن لضعف الإنسان فإنه يلجأ إلى التدرج فيها، ومثال التدرج في الطاعات وتهيئة الإنسان لها: ما شرعه الله تعالى في الصيام والقيام، فقد شرع الله صيام معظم شعبان، فقد روت عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم  "كان يصوم شعبان إلا قليلا "[11]، وذلك حتى يتهيأ لصيام رمضان، كذلك القيام، فقد شرع الله تعالى القيام في العشرين الأولى من رمضان في بعض الليل حتى يتهيأ الإنسان وتقوى إرداته، ثم شرع له إحياء الليل كله أو معظمه في العشر الأخيرة، وذلك مما يناسب طبيعة الإنسان في الارتقاء الطبيعي للأفضل وهذا من أسباب دوامه.
• المعاودة الشرعية للطاعات والمفارقة الأبدية للمحرمات: وهذا الأمر فيه نوع من الاستمرار على الطاعة فعلاً، ولذا شرع الله تعالى بعد رمضان صيام ست أيام من شوال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  " من صام رمضان واتبعه ستاً من شوال كان كصيام الدهر"[12].

• التذكير اللساني مما يقوي الإرادة : قد يخطئ الإنسان أو يخطأ عليه، أو تضعف نفسه، فيبرز حينئذ الحديث الذاتي، وهو أسلوب أرشد إليه المتخصصون بالتوجيه والإرشاد النفسي، إذ يقول صاحب مدرسة العلاج السلوكي المعرفي(ميكنبوم) (Me iche nbaum)) " إن الأشياء التي يقولها الناس لأنفسهم تحدد باقي الأشياء التي يفعلونها "(الشناوي , 1994)*

• الاقناع: وهو مخاطبة الأفكار التي أنشأت السلوك هل هي مقبولة، وعقلية، وشرعية أم لا؟ وهو أسلوب شهير يستخدمه أساتذة الإرشاد النفسي, ولذا يُعد رمضان أهم درس إقناعي، تغييري، واقعي، حيث يعبر عن قاعدة كونية: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"، فالانتقال من وضع إلى وضع آخر يمر عبر النفوس .

عبادة عظيمة وختامها عجيب !!!
إن رمضان برنامج متكامل أجزم - وبدون شك - أن لا أحد من البشر يمكن أن يأتي بمثل هذه العبادة الجامعة الماتعة الموافقة
للنفوس، فالذي شرعها هو الله تعالى، والذي فعلها وطبقها
النبي صلى الله عليه وسلم ، ولقد حدد لها الشارع هدفاً كبيراً هو تحصيل التقوى، وشرع فيها أعمالاً صالحةً كبرى من الصيام والصلاة والصدقة والصلة والصبر، وكلها أعمال عظيمة، بالإضافة إلى عظمتها المعنوية، فإن فيها ملمحاً لفظياً يحسن التنبيه عليه، إن كل تلك العبادات الخمس تبدأ بحرف الصاد، وهو حرف صفيري متحرك واضح وليس حرفاً هامساً ساكتاً، فكأنها نداء للنفس بالتحرك، والقوة، والتغيير، ومجافاة السكون، والجمود، والضعف.
 


إن رمضان مقياس فانظر فيه قياسك :
إن شهر رمضان برنامج متكامل ثري بالأعمال التي تطبق خلال ثلاثين يوماً وهي مادة تعتبر كافية لتغيير الرؤوس و النفوس من أخطائها وذنوبها، وزيادة طاعاتها وإيجابياتها، متى ما علم الواحد أحكامه وحدوده، وصدَّق أمر ربه، وحرص على التطبيق والممارسة بدقه قدر استطاعته، فحري بمن مر في هذا البرنامج وطبقه أن يوفق لطعم الإيمان ولذته، ومغفرة الله وجنته
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رغم أنف رجل أدرك رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له)[13].. وإليك أيها القارئ وأيتها القارئة جدولاً اجتهادياً لترى أين مكان رمضان منك..
                                الجدول اليومي لبعض الأعمال في رمضان
              
طريقة الجدول :
أ) - لكل وقت درجتان ونصف فيكون مجموع الدرجات
لكل عمل 12,5.
ب) بعد ذلك يتم جمع مجموع كل عمل من صلاة وسنن وغيرها فيكون المجموع مائة.
ج) وبما أن الصلاة والسنن وقراءة القرآن والأذكار طبعي أن يكررها الإنسان خمس مرات لكن الصدقة والصلة تكون مرتان وليس خمس مرات فتحسب 6.25.
د) كذلك مفهوم الصدقة لا يلزم أن يكون مالاً بل ربما كلمة طيبة أو إعانة مسلم وأما صلة الرحم فتكون بالزيارة او المهاتفة أو الدعاء.
هـ) أما فلتات اللسان والغضب واللغو والرفث فتحسب بعدم تكرارها فإن تكررت يخصم 2.5 حسب الأوقات فإن مرت الأوقات وهو حافظ للسانه. .. ولم يتضجر أو يغضب أو يلغو أو يرفث فتحسب الدرجة كاملة .

========================
[1] رواه البخاري
[2] رواه الترمذي وقال حديث حسن
[3] في الفتح (ج4 صفحة 113)
[4] متفق عليه
[5] رواه مسلم قال ابن شهاب كما في البخاري: كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدراً من خلافة عمر رضي الله عنهما.
[6] متفق عليه
[7] متفق عليه.
[8] رواه البخاري
[9] متفق عليه
[10] متفق عليه
[11] سبق تخريجه
[12] رواه مسلم
[13] رواه الترمذي وحسنه

 جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول     Copyright © 2014 All rights reserved for holol.net