مقدمة:
التعصب هو عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميل إلى جانب.
, التعصب ظاهرة قديمة حديثة ترتبط بها العديد من المفاهيم، كالتمييز العنصري والديني والطائفي والجنسي والطبقي، والمستقرئ لأحوال العالم الآن يجد أن جميع الصراعات الطائفية والسياسية والفكرية وحتى الحروب و الصراعات الحربية قد نتجت جميعها عن سبب مشترك وهو التعصب، فهو إذن ظاهرة منتشرة بشكل كبير، لا سيما في المجتمعات العربية -خاصة التي تقوم على أساس قبلي أو طائفي أو مذهبي-، أو تلك الدول التي تتمايز فيها ألوان البشر وأصولهم العرقية أو توجهاتهم الأيدلوجية والمذهبية، بمعنى آخر أنه أينما وجد الإنسان وأينما وجد التباين والتمايز بين أصناف البشر، وجد التعصب.
وقد صدر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في تشرين الثاني عام 1981م إعلان خاص بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على أساس الدين أو المعتقدات، وتعني أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم على أساس الدين أو المعتقد ويكون غرضه أو أثره تعطيل أو إنقاص الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها على أساس من المساواة.
دعونا نتعرف أولاً على مفهوم التعصب وأساسه اللغوي والاصطلاحي واستخدامه في مجال علم النفس والاجتماع.

تعريف التعصب:
في اللغة:
قال ابن منظور: ”التعصب: من العصبية، وهي أن يدعو الرجل إلى نصرة عصبته والتألب معهم على من يناوئهم ظالمين كانوا أو مظلومين. وقد تعصبوا عليهم إذا تجمعوا فإذا تجمعوا على فريق آخر قيل: تعصبوا..
والعصبة: الأقارب من جهة الأب لأنهم يعصبونه ويعتصب بهم أي يحيطون به ويشتد بهم. وفي الحديث: (ليس منّا من دعا إلى عصبية، أو من قاتل من أجل عصبية، أو من مات من أجل عصبية)
والعصبية والتعصب: المحاماة والمدافعة. وتعصبنا له ومعه: نصرناه”.


تعريف التعصب اصطلاحاً:
يمكن تعريف التعصب بأنه شعور داخلي يجعل الإنسان يتشدد فيرى نفسه دائما على حق ويرى الآخر على باطل بلا حجة أو برهان.
ويظهر هذا الشعور بصورة ممارسات ومواقف متزمتة ينطوي عليها احتقار الآخر وعدم الاعتراف بحقوقه وإنسانيته.

وبضدها تتبين الأشياء:
فالتعصب ضد التسامح، والانغلاق ضد الانفتاح، والتحجر ضد التفكر، ورفض الآخر وعدم قبوله ضد التواصل معه والتعايش والتوافق، والعصبية والحمية ضد التجرد للحق والانتصار له، فمعاني التعصب ممقوته مذمومة، وضدها هذه المعاني الجميلة المحمودة.


التعصب في علم النفس والاجتماع:
يمكن تعريف التعصب على أنه مرض اجتماعي يولد الكراهية والعداوة في العلاقات الاجتماعية والشخصية، حيث يمد التعصب صاحبه بأسباب وهمية تفوت عليه فرصة حل إشكالاته ومشاكله بطريقة واقعية.
وقد عرفت البشرية عبر التاريخ بروز صور للتعصب، مما شكل أساسا لحلقات من الصراع كانت مصدرا لتعاسة البشر، وحاجزا للتفاهم بينهم، فالتعصب ونظرا لما يخلقه من صعوبات نفسية واجتماعية، فإنه يعوق النمو النفسي للأفراد ويدفعهم إلى الاضطراب، وهو ما دفع غالبية علماء النفس الاجتماعي إلى الاتفاق على أن: «صاحب الشخصية التعصبية هو نفسه صاحب الشخصية المضطربة".
ويعرف قاموس العلوم الاجتماعية التعصب بأنه " غلو في التعلق بشخص أو فكرة أو مبدأ أو عقيدة بحيث لا يدع مكانا للتسامح، وقد يؤدي إلى العنف والاستماتة، والتعصب كما تشير أدبيات العلوم الاجتماعية المعاصرة يشكل موقفا أو اتجاها ينطوي على التهيؤ الفردي أو الجماعي للتفكير أو الإدراك أو الشعور والسلوك بشكل إيجابي أو سلبي تجاه جماعة أخرى أو أي من أفرادها.

ومن خلال التعريفات السابقة نستطيع الوصول إلى صورة واضحة للمقصود بالتعصب، ولكن ترى ما هي الأسباب التي تؤدي إلى التعصب؟

أسباب التعصب:
هناك أسباب متعددة للتعصب، وقد تناولت الدراسات والكتابات العلمية في علم النفس والاجتماع أسباب ظاهرة التعصب، وإذ بها مجموعة من الأسباب المتداخلة والمتشابكة، فلا يتم تناول هذه الظاهرة من جانب واحد، ولذلك فيجب أن تكون النظرة شمولية متكاملة، ومن أهم هذه الأسباب:
1- تضخم الذات: كما قال فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد"، وهذه الذات المتضخمة قد تكون ذات الشخص أو ذات الجماعة أو ذات الدولة، بمعنى أنها الذات التي يرجع إليها الشخص وينتمي.
2- الشعور بالنقص الذاتي: كذلك الشعور بالنقص أو الدونية عادة ما يجعل الشخص يتعصب لأي شيء قد يجد فيه ما يكمل نقصه، كالجاهل الذي يتعصب لشيخ ما مثلاً.
3- الجهل ونقص المعرفة: فالجهل بالآخر وعدم توسيع المدارك بمعرفته والاطلاع على ما يؤمن به، يدعوه إلى التعصب ضده ورفضه وحسبنا أن نقول: إن الهجوم على الإسلام اليوم ومحاربته من كثير من الشعوب الغربية هو بسبب الجهل بمبادئه وعدم معرفته على الحقيقة هذا مع التشويه وإلقاء الشبهات المتعمد وغير المتعمد من وسائل الإعلام وغيرها.
4- تقديس البشر والغلو فيهم: كما قال تعالى: "اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله" وهذا التقديس والغلو يصل إلى حد إضفاء صفة العصمة والقداسة مما يؤدي إلى التعصب لهذا الشيخ أو لهذه الجماعة.
5- الانغلاق وضيق الأفق: نجد كثيراً من الطوائف والجماعات منغلقة على ذاتها لا تسمع إلا لنفسها وتمنع أتباعها من الاستماع لغيرها وكثير من الأفكار المتطرفة والمتعصبة تنشأ في الأوكار السرية وسراديب الظلام في أجواء مغلقة تعلِّم الإرهاب ورفض الآخر والعنف الموجه وتكفير المخالف.
6- التنشئة الاجتماعية: فالنشأة في أسرة تميز ضد اللون أو الجنس، أو القبيلة والجماعة، أو الفكر، وتغذي روح التعصب والتطرف ضد الآخر؛ تنتج أناساً متعصبين ومتحجرين ومتطرفين، والأسرة نواة المجتمع، وتأثير تنشئتها لابد وأن يظهر فيه، وقد يغلب فيكون التعصب هو الصبغة العامة له.
 7- الفهم الخاطئ للنصوص الدينية: لا شك أن الانحراف في فهم الدين؛ من أسباب التعصب الرئيسية، فالتعصب الصليبي ضد المسلمين كان ناتجاً من فهم خاطئ لمبادئ الدين النصراني، والتعصب المذهبي الذي أدّى إلى رفض الإسلام كان ناتجاً من فهم خاطئ منهم لكهانهم.
8- ضياع الهدف أو القضية التي يعيش لها المرء: مما يجعله يتعصب لأي شيء قد يبدو بظاهره هدف/قضية يمكن أن يتمسك بها.
9- غياب أخلاقيات التعامل مع المخالف: ومن ذلك فنيات إدارة الحوار وتقبل الآخر، وكذلك غياب قيم مثل: العدل والإنصاف؛ والتجرد والتعايش معه رغم الاختلاف؛ والثناء عليه بما أصاب، والدفاع عنه إذا ظُلم وتطاول عليه الآخرون بغير حق، وغيرها من الأخلاقيات التي سنذكرها في البعد الشرعي.
10- تلبية المصالح الشخصية من مال أو جاه أو غيره: وذلك من خلال الاستفادة ممن نتعصب له، فنُسِّوق له وندافع عنه، سواء أكان شخصا أم حزبا أو دولة، وذلك للحصول على المصالح الشخصية.
11- سيادة مبدأ القوة والتعامل العنيف بين الطوائف والجماعات المختلفة: قد يولد نوعاً من التعصب.
12- غياب العدل والمساواة في بعض المجتمعات: ينتج عنه التعصب والميل للعدوان للحصول على الحقوق.
13- غياب القدوات والمثل العليا الوسطية.
14- عدم قيام المؤسسات التربوية (الأسرة، المدرسة، المسجد) بدورها في تنمية مفاهيم تقبل الأخر.


صور ومظاهر التعصب:
هناك صور متعددة للتعصب، فالتعصب صبغة يمكن أن تصبغ كافة سلوكيات الفرد، فهناك من يتعصب لقبيلته أو لحزبه أو لدولته أو لفكرته أو لجماعته أو لناديه الرياضي أو لمذهبه أو لعرقه......الخ.
ومن مظاهره:
1. التعصب الحزبي: وهو التعصب للفئة أو الحزب أو الجماعة التي ينتسب إليها الفرد، والانتصار لها بالحق والباطل، وإضفاء صفة العصمة والقداسة عليها، وذكر مزاياها ومحاسنها، ومهاجمة غيرها بذكر عيوبها وسيئاتها، وتعظيم حزبه وتحقير غيره.
2. التعصب القومي: وهو الانتصار للقومية التي ينتسب إليها لمجرد القومية، كما تعصب الأتراك لقوميتهم في آخر الخلافة العثمانية، وكما تعصب العرب لقوميتهم مقابل تعصب الترك، وحروب القوميات لا يخطئها الناظر وقد تقع في البلد الواحد.
3. التعصب المذهبي أو الطائفي: هذا التعصب الذي فرّق المسلمين وجعل لهم أربعة منابر في الحرم المكي حول بيت الله، ومنع متبع المذهب الشافعي أن يصلي خلف الحنبلي، ومتبع الحنبلي أن يصلي خلف المالكي، في فترة أغلق فيها باب الاجتهاد في وجه الأمة، والتعصب الطائفي الذي أشعل نار الفتنة والقتال بين طوائف الأمة كتعصب الخوارج ضد الصحابة وقتالهم.
4. التمييز العنصري: وهذا يحدث بسبب الجنس كتمييز الذكور ضد الإناث أو اللون كتمييز الأبيض ضد الأسود، أو التمييز لاختلاف الأرض والوطن كالتمييز الحاصل ضد المهاجرين واللاجئين، أو التمييز ضد أبناء القبائل الأخرى واحتقارهم.
5. التعصب الفكري: وهو رفض فكر الآخر وعدم قبوله والاستماع إليه، وترك التجرد والإنصاف في الحكم عليه، والتشدد في التعامل معه، ونقده بألذع الصور، وتكوين صورة وإطار معين لفكر المخالف مشوبة بكثير من الأخطاء والمغالطات لأنها قائمة على أسس واهية من التعصب والتحجر.
6. التعصب الرياضي: وهو أحد مظاهر التعصب التي انتشرت في الفترة الأخيرة ولا سيما بعد انتشار روابط المشجعين والتي عرفت بـ(الالتراس) والتي من خلالها زادت وتيرة التعصب بين مشجعي ومحبي الأندية الرياضية، وقد شهدت الملاعب الرياضية أحداث عنف بسبب التعصب الرياضي.
فضلاً عما سبق فإن هناك العديد من مظاهر الت،عصب والتي قد تكون بناءً على النوع كتعصب الرجال للمجتمع الذكوري، التعصب لمهنة معينة أو لأيدلوجية معينة... الخ.


درجات التعصب:
يعد كتاب جوردون البورت Gordon Allport عن طبيعة التعصب The Nature of prejudice الذي نشر عام (1954) عملاً أصيلاً له أهميته في هذا المجال، وقد أوضح فيه أن هناك خمس درجات للتعصب تبدأ بالتعبير اللفظي عن العداوة حيث يستحق المفحوص درجة واحدة، يلي هذا الرغبة في تجنب أعضاء الفئة من الناس التي يكرهها الشخص وحض الآخرين على كراهيتهم لهذه الفئة، ثم الاعتداء البدني عليهم وأخيراً تأتي رغبة التخلص منهم بالقتل بأي شكل من أشكاله، وهنا يستحق المفحوص خمس درجات على هذا المقياس.
ومن هنا فدرجات التعصب كما حددها جوردن ألبورت هي:
1- التعبير اللفظي عن الكراهية.
2- تجنب التعامل مع أعضاء الفئة التي يتعصب ضدها.
3- حض الآخرين على الابتعاد عمن يتعصب ضدهم.
4- الاعتداء البدني.
5- الرغبة في التخلص من الآخر بالقتل.

بعض خصائص التعصب:
1- هو سلوك متعلم وليس فطرياً، فليس هناك من يولد متحيزا ضد الآخرين، لأن الأطفال الصغار لا يظهرون أي تحيز إلا بعد ملاحظته لدى الكبار في ممارستهم له واقعيا.
2- يأخذ التعصب حلة لا شعورية إلى حد كبير.
3- يُكتسب من خلال الاحتكاك بثقافة التعصب ومن الممارسة الفعلية، وليس من خلال الاحتكاك أو الاتصال بجماعات أخرى.
4- يرتبط بالجماعات، ولا يرتبط ضرورةً بالأفراد.
5- يوجد ليُشبع حاجات أو رغبات عاطفية (كالشعور بالتفوق، وتبرير الفشل، أو كمخرج للاعتداء والعداوة).
6- يرتبط التعصب بالعنف في بعض الأحيان.
7- ينتقل التعصب من جيل إلى جيل، إذ يتعلم الكثير من الأبناء التعصب من آبائهم وأساتذتهم.
8- يقوم التعصب على ولاء الفرد الكلى أو الجزئي للقيم والتصورات الطائفية.

أساليب مواجهة التعصب:
إن مواجهة التعصب يتطلب تضافر الجهود من العديد من مؤسسات المجتمع، واهتمام كل مؤسسة بالقيام بدورها في نبذ العنف والتمييز وزرع قيم المساواة، فعلى سبيل المثال:
- الأسرة: وهي المؤسسة الأهم بين مؤسسات المجتمع، ومن خلال التنشئة الاجتماعية السليمة المبنية على تقبل الآخر وعدم التعالي عليه يمكن معالجة التعصب ومظاهره المختلفة.
- المؤسسات التربوية: كالمدارس والجامعات، التي يجب أن تهتم بوضع مناهج دراسية تنبذ العنف والتعصب وتدعو للوحدة والتجانس بين أفراد المجتمع، وتمثل ذلك في سلوك الأفراد وأنظمة المؤسسات.
- المؤسسات الدينية: عليها أن تعدل من خطابها الديني، وأن تقدم خطاباً دينياً عصرياً يتماشى مع مشكلات العصر ويناقشها ويقدم الحلول الواقعية والعملية.
- المؤسسات الاجتماعية: كالمؤسسات المعنية بعلم النفس والاجتماع، فعليها أن تطرح المبادرات المجتمعية التي من شأنها تضييق الفوارق بين شرائح المجتمع وسد الثغرات والنوافذ التي من خلالها يخرج التعصب.
- المؤسسات الإعلامية: عليها أن تقوم بدور توعوي يهدف إلى تقبل الآخر، وعدم اللجوء للنعرات الطائفية والمذهبية، وتقديم نماذج وقدوات للشباب تزرع في نفوسهم المساواة والتعاون وعدم التمييز، كذلك الكف عن الممارسات التي من شأنها تأجيج روح الخلاف والتمييز.
- المنشآت الرياضية: يجب أن تهتم ببناء العقول والأرواح كاهتمامها بالإعداد البدني والعضلي، فالمؤسسات الرياضية يجب أن تقوم بدورها التربوي لا سيما وأن لها شعبية كبيرة في فئة الشباب والمراهقين وتأثيرها عليهم كبير جداً وسريع.
كما أن هناك مجموعة من الاستراتيجيات التي من الممكن أن تساهم في تقليل التعصب ومواجهته وتوجيهه للجانب الإيجابي ومنها:
1- الفهم السليم للتعاليم الدينية وتدبر النصوص القرآنية، وعدم ربط الأفعال العدوانية للمتعصبين بالدين.
2- التعايش السلمي وتقبل الحوار بين الثقافات والفئات المختلفة.
3- تقبل النقد من الآخرين والاعتراف بالخطأ، وتنمية مفاهيم تقويم الذات.
4- مقاومة الفتن والإعلام المضلل بكل وسيلة ممكنة.
5- التعاون مع الآخرين والاستفادة مما عندهم من معارف وخبرات ومميزات.
6- تنشئة الأسرة على احترام الآخرين وعدم استخدام الفرد لألفاظ الذم والشتم، وكظم الغيظ والصبر في كل الأحوال.
7- ضرورة تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة، مع عدم إهمال وتهميش الأخيرة، وعدم استخدام الصالح العام ذريعة لضرب المصالح الخاصة.

 جميع الحقوق محفوظة لموقع حلول Copyright © 2015 All rights reserved for holol.net